1. Home
  2. الخليج العربي
  3. الإمارات حين تكون الشراكة خياراً استراتيجياً
الإمارات حين تكون الشراكة خياراً استراتيجياً

الإمارات حين تكون الشراكة خياراً استراتيجياً

0
0

د. علي راشد النعيمي – يمر العالم اليوم بمرحلة شديدة التعقيد. أزمات تتداخل، وصراعات تتسع، واستقطابات سياسية تتعمق، وفي منطقتنا ما يكفي من التجارب التي أثبتت أن الخصومات المفتوحة لا تصنع مستقبلاً، وأن الشعوب هي التي تدفع ثمن القرارات التي تغلق أبواب الحوار وتقطع جسور التواصل

وسط هذا المشهد، أجد أن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه ليس: مع من نختلف؟ بل: كيف ندير هذا الاختلاف، وإلى أين نريد أن نأخذ منطقتنا والعالم من حولنا؟

هناك من يرى العلاقات الدولية من خلال منطق الصراع، والاصطفاف، وتقسيم العالم إلى أصدقاء وخصوم. أما التجربة الإماراتية فقد تطورت على أساس مختلف: البحث عن المصالح المشتركة، وبناء الشراكات، وفتح قنوات الحوار حتى في أصعب الظروف، والنظر إلى الاستقرار باعتباره أساساً للتنمية والازدهار.

هذه ليست سياسة ظرفية. هي جزء من فلسفة دولة منذ تأسيسها.

الإمارات لا تبني علاقاتها على ردود الأفعال، ولا تجعل الخلاف السياسي سبباً لإلغاء الشعوب أو تجاهل المصالح المشتركة. العلاقات بين الدول قد تمر بمراحل من التباين والاختلاف، وهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية، لكن المسؤولية تقتضي أن تبقى هناك مساحة للعقل والحوار، وأن نحافظ قدر الإمكان على الجسور التي يمكن أن نعود من خلالها إلى التفاهم.

وقد علمتنا التجربة أن من السهل أن تبدأ أزمة، وأن الأصعب هو معرفة كيف تنتهي.

لهذا أؤمن بأن الدبلوماسية الحقيقية لا تقاس بقدرتها على إدارة العلاقات مع الأصدقاء فقط، وإنما بقدرتها على التعامل مع الاختلاف، ومنع الخلاف من التحول إلى قطيعة دائمة، وفتح الطريق أمام حلول تحفظ المصالح والكرامة والسيادة للجميع.

وفي عالم تتشابك فيه الاقتصادات والمصالح وسلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا، لم يعد ممكناً التعامل مع الأمن بمعناه التقليدي وحده. الأمن اليوم مرتبط بالاقتصاد، والغذاء، والطاقة، والاستثمار، وفرص العمل، وقدرة الإنسان على أن يعيش حياة مستقرة ويخطط لمستقبل أبنائه.

من هنا يأتي تركيز الإمارات على بناء الشراكات الاقتصادية والتنموية إلى جانب علاقاتها السياسية. عندما تتبادل الدول الاستثمار والمعرفة والتجارة، وعندما تبني مشاريع مشتركة، فإنها لا تحقق مكاسب اقتصادية فقط، بل تنشئ شبكة من المصالح التي تجعل الاستقرار مسؤولية مشتركة.

وهذه، في تقديري، واحدة من أهم أدوات صناعة السلام في عالمنا المعاصر.

السلام لا يصنعه الخطاب وحده. يحتاج إلى مصالح تجمع الناس، ومشاريع تجعل التعاون أكثر قيمة من الصراع، ومستقبل يشعر كل طرف بأن له مكاناً فيه.

ولذلك فإنني أرى أن المنطقة تحتاج اليوم إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى حل الأزمات وصناعة الفرص. لقد استهلكنا الكثير من الوقت والموارد في الصراعات والاستقطابات. لدينا أجيال شابة تريد التعليم والعمل والتكنولوجيا والتنمية، وتريد أن تكون جزءاً من عالم يتقدم بسرعة هائلة. ومن حق هذه الأجيال علينا أن نقدم لها مشروعاً للمستقبل، لا أن نورثها خصومات الماضي.

هذا هو جوهر النموذج الذي تسعى الإمارات إلى تقديمه: دولة تحمي سيادتها ومصالحها بثبات، وفي الوقت نفسه تمد يدها للشراكة والتعاون، وتبحث عن مساحات الالتقاء مع الآخرين، وتؤمن بأن قوة الدولة لا تقاس بعدد خصومها، وإنما بقدرتها على بناء الثقة والشراكات والتأثير الإيجابي.

نحن بحاجة إلى قدر أكبر من الشجاعة السياسية لإعادة فتح الأبواب التي أغلقتها الأزمات، وإلى إدراك أن المصالحة والحوار لا ينتقصان من قوة الدول. في أحيان كثيرة، يحتاج السلام إلى شجاعة أكبر مما يحتاجه الصراع.

وقد أثبتت الإمارات في تعاملها مع كثير من الملفات الإقليمية والدولية أنها تنظر إلى الدبلوماسية باعتبارها أداة لصناعة الحلول. الحوار، والوساطة، وخفض التصعيد، والشراكات الاقتصادية، والعمل الإنساني، كلها أدوات ضمن رؤية واحدة هدفها إيجاد بيئة يستطيع فيها الإنسان أن يعيش بأمن، وتستطيع فيها المجتمعات أن تتطور، وتستطيع فيها الدول أن تتعاون رغم اختلافاتها.

وأعتقد أن هذه هي الرسالة التي يحتاج إليها عالمنا اليوم.

ليس مطلوباً أن تتفق الدول في كل شيء. الاختلاف جزء من طبيعة العلاقات الدولية. المطلوب أن نتعلم كيف نختلف دون أن نهدم كل ما بنيناه، وكيف نحافظ على المصالح المشتركة، وكيف نترك للأجيال القادمة منطقة أكثر استقراراً وقدرة على التعاون.

الإمارات اختارت أن تستثمر في المستقبل. اختارت الاقتصاد والمعرفة والتنمية والشراكات والحوار. وهي تدرك في الوقت نفسه أن سيادتها وأمنها ومصالحها الوطنية ثوابت لا تخضع للمساومة.

هذه المعادلة هي التي أراها ضرورية للمرحلة القادمة: دولة قوية وواثقة من نفسها، تعرف مصالحها جيداً، وتحميها، وفي الوقت ذاته تؤمن بأن ازدهارها الحقيقي يكون أكثر استدامة عندما يكون محيطها مستقراً ومزدهراً.

في النهاية، لا أحد يربح من منطقة تزداد فيها الأزمات، ولا أحد يستطيع أن يبني ازدهاره طويلاً وسط الفوضى.

المستقبل سيكون للدول التي تعرف كيف تحول الجغرافيا إلى شراكة، والاختلاف إلى حوار، والمصالح المشتركة إلى مشاريع حقيقية يستفيد منها الإنسان.

وهذا هو الخيار الذي أؤمن به: أن نبني أكثر مما نهدم، وأن نفتح أبواباً جديدة كلما أغلقت أزمة باباً، وأن نعمل من أجل منطقة يكون فيها الأمن والاستقرار والازدهار حقاً مشتركاً لجميع شعوبها.

المقال نقلا عن الحساب الرسمي على منصة “إكس

المصدر: العين الإماراتية


tags: