يعود الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى واجهة التصعيد السياسي مع طهران، ملوّحاً بإمكانية استهداف مراكز وقواعد لقوات أمنية إيرانية قال إنها متورطة في قمع الاحتجاجات. تهديدٌ لا يقدّم تفاصيل عن طبيعة الرد المحتمل، لكنه يحمل رسالة ضغط مباشرة إلى القيادة الإيرانية، مفادها أن التعامل العنيف أو الدموي مع التظاهرات قد يفتح الباب أمام خيارات أكثر قسوة. ومع هذا التلويح، يعود السؤال القديم ـ الجديد إلى الواجهة: ما هي بنية القوة الأمنية في إيران، وأين تكمن مفاصلها الحساسة؟
تُعد المنظومة الأمنية الإيرانية من أكثر البنى تعقيداً في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب تعدد أجهزتها، بل أيضاً بسبب تداخل الأدوار العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية ضمن شبكة نفوذ متعددة المستويات. هذه الشبكة لا تعمل بمنطق المؤسسة الواحدة، بل وفق توزيع أدوار محسوب يضمن للنظام مرونة في المواجهة، وقدرة على امتصاص الصدمات داخلياً وخارجياً.
في قلب هذه المنظومة يقف الجيش النظامي الإيراني، الخاضع لوزارة الدفاع، والذي تتركز مهمته تقليدياً على حماية الحدود والسيادة في مواجهة التهديدات الخارجية. ورغم أن حضوره في قمع الاحتجاجات يبقى أقل بروزاً مقارنة بغيره من الأجهزة، إلا أنه أعلن التزامه بحماية “المصالح الوطنية” والبنية التحتية الاستراتيجية والممتلكات العامة خلال فترات الاضطراب، في إشارة إلى دور احترازي يجنّبه الانخراط المباشر في الصدام مع الشارع.
إلى جانب الجيش، يبرز الحرس الثوري الإيراني بوصفه العمود الفقري لحماية النظام. هذه المؤسسة، التي تخضع مباشرة لسلطة المرشد الأعلى، تتمتع بهامش واسع من الاستقلالية والقدرة على اتخاذ القرار، ما يجعلها لاعباً يتجاوز الإطار العسكري التقليدي. الحرس الثوري لا يحمي النظام داخلياً فحسب، بل يشكّل أيضاً أداته الرئيسية لإدارة النفوذ الإقليمي عبر فيلق القدس، المسؤول عن دعم الحلفاء خارج الحدود، والإشراف على مفاصل أساسية في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، من برامج الصواريخ إلى الطائرات المسيّرة. ويُقدّر عدد عناصره بنحو مئتي ألف، ما يمنحه ثقلاً بشرياً وتنظيمياً كبيراً.
أما في الداخل، فيتقدم “الباسيج” إلى الواجهة باعتباره الذراع الأكثر التصاقاً بالشارع. هذا التشكيل شبه العسكري يُكلّف بمهام ضبط الاحتجاجات ومراقبة المجتمع، ويُنظر إليه على نطاق واسع كأداة الردع الأولى في مواجهة أي حراك شعبي. حضوره الكثيف في المدن والأحياء يجعله نقطة الاحتكاك المباشر مع المتظاهرين، وبالتالي الهدف الأكثر حساسية في أي حديث عن “مراكز قمع”.
ورغم اختلاف مهام هذه التشكيلات ومرجعياتها، فإنها تعمل ضمن هدف واحد: حماية النظام واستمراره. غير أن تحقيق هذا الهدف يتم عبر مسارات متوازية تعكس تداخلاً عميقاً بين الأمن والعقيدة والاقتصاد، ما يجعل أي استهداف محتمل لهذه “المراكز” أكثر تعقيداً مما قد يبدو عليه في الخطاب السياسي.
من هنا، فإن تلويح ترامب لا يصطدم فقط بجدران مؤسسات أمنية صلبة، بل بمنظومة متشابكة يصعب تفكيكها بضربة واحدة. وهو تهديد يأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها رسائل الردع مع حسابات التصعيد والاحتواء، وتبقى فيها كل الخيارات مفتوحة على احتمالات لا تتوقف عند حدود الداخل الإيراني وحده.