كم هو المشهد سريالي. يتصدر ورقة الأهداف التي أقرها مجلس الوزراء يوم أمس: “وقف العمليات العسكريةالبرية والجوية والبحرية الإسرائيلية”.. فبدا إنسحاب وزراء “الثنائي المذهبي” وكأنه إصرار من هذا الثنائي على رفض وقف الإعتداءات الإسرائيلية!
في جلستي مجلس الوزراء يومي 5 و7 آب كان على المحك مستقبل لبنان، وأهمية خروج البلد من هذا المستنقع الخطير، فكان أن إنتصر منطق الدولة على عبث الدويلة. القرارات التاريخية هي نتيجة مسار سياسي طويل بدأته القوى التي رفضت بقاء السلاح خارج الدولة من لحظة جلاء المحتل عن أرضنا في العام 2000. وتشدد هذا المنحى خلال “إنتفاضة الإستقلال” المغدورة في العام 2005، عندما رفضت قلة التحالف الرباعي وكل تساكن مع السلاح اللاشرعي، وكان سمير قصير ضحية هذا الإصرار. وتحرير البلد من البندقية اللاشرعية كان في قلب ثورة “17 تشرين”، التي نكّل هذا السلاح بشبابها العزل إلاّ من الإيمان بأن زمن إختطاف الدولة والقرار آيل للسقوط.
ودعونا نتوقف عند الحكومات التي تشكلت منذ التحرير في العام 2000 حتى قيام حكومة نواف سلام في العام الحالي 2025، فكل الحكومات كانت حكومات شراكة مع السلاح وحكومات التساكن مع الجهة التي لا تغطي إرتباطها وتبعيتها للخارج الإيراني. ويعرف القاصي والداني أن كل القوى السياسية في لبنان تشاركت في تلك الحكومات، وأمام أعين ممثليها، كان حزب الله يقضم السلطة ويحتكر قرارها، ويتسامح مع البقية من اهل نظام المحاصصة المقيت، من حيث توزيع الحصص التي أفضت إلى أخطر منهبة في التاريخ. جيد أنه بعد حرب “الإسناد” وما آل إليه وضع لبنان، عملت بعض القوى على تقديم شعار السيادة على ما عداه، والأمر طبيعي لأنه عندما تجنح السفينة تصبح البطولة القفز منها.. لكن هذه القوى لتاريخه لم تثبت ولا ثانية أن السيادة المالية والإقتصادية بين أولوياتها، بدليل أن ذكرى مرور ٦ سنوات على الإنهيار ستحل قريباً وما من مواطن إستعاد حقوقه وكثير من الطروحات تتمحور حول كيفية سلب المتبقي من جني أعمار الناس!
وبعد، للثنائي الذي فاته أن الوقت قد حان للخروج من تكرار الأخطاء المميتة التي رتبت وترتب على لبنان أثمان لا طائل له على تحملها، لقد إنتهى زمن السلاح اللاشرعي. لقد كانت المفاضلة واضحة جداً وهي من جهة أولى، بين أن يتم حصر السلاح بيد الدولة فتسقط وصاية السلاح اللاشرعي على البلد وأهله ليتكرس منطق الدولة الواحدة والمرجعية الواحدة. والدولة هي الجهة القادرة، بقواها الذاتية مدعومة من شعبها، على القيام بأعباء مهمة الدفاع عن لبنان وليس أي جهة حزبية مذهبية وفي المقدمة من تفاخر رموزها بأنهم جنود جيش الولي الفقيه.. ومن جهة ثانية ليسود اللامنطق ويترك القرار لميليشيا حزب الله التي منذ تأسست هي جزء لا يتجزأ من إستراتيجية الدفاع عن النظام الإيراني. وهذا الطرف يعلم علم اليقين أن السلاح بات عاجزاً عن حماية السلاح بعدما سقط في إمتحان حماية حامليه، والجريمة مكتملة الأوصاف مع مخطط تحويل أبناء الجنوب وجمهور شيعي واسع إلى دور حماية السلاح بعدما سقطت كل السرديات عن توازن الرعب والردع، لا بل تسبب بعودة الإحتلال مجدداً!
الحقيقة في الموضوع، أن قرار حصر السلاح بيد الدولة في كل لبنان، يعني طي صفحة المشروع الإقليمي الإيراني. وجلي أن الحزب، وحبر التصريح الإستفزازي للعراقجي لم يجف بعد، يريد بقاء السلاح وبقاء “المقاومة” إلى ما شاء الله، وإن تحولت إلى مقاولة.. لأنه عندذاك يستمر مشروع تغيير المنطقة الهادف إلى تمكين دولة الولي الفقيه. لن تتراجع طهران الخامنئي عن التمسك بالمتبقي من أذرعها، ولا سيما حزب الله، رغم الهزيمة والإنكفاء وكل ما تسببت به من نكبات. نعم جنوبنا منكوب وبلدنا بكل جهاته مكسور، نتيجة الغرور الإيراني وتبعية حزب الله المسؤول عن تقديم أرضنا وشعبنا لقمة سائغة للعدو الذي ما زال لليوم يفرض علينا كلبنانيين عقاباً جماعياً.
وبعد البعد، أحر التحايا لرئيس الحكومة القاضي النزيه ورجل المرحلة نواف سلام، الذي عمل بكد وجهد للوصول إلى التوقيت المناسب بوضع حصر السلاح بيد الدولة على جدول أعمال مجلس الوزراء وبسط السيادة بالقوى الذاتية للدولة