1. Home
  2. زوايا
  3. عن الثقافة التي لا تستقيل في إعلام لبنان!
عن الثقافة التي لا تستقيل في إعلام لبنان!

عن الثقافة التي لا تستقيل في إعلام لبنان!

0
0

بقلم الدكتور عمر الفاروق النخال – وسط عتمة السياسة اللبنانية وتقلباتها الحادة، يظل للمشهد الثقافي مكانه المحفوظ في الإعلام اللبناني، وكأن هذا القطاع قرر أن يمارس نوعاً من المقاومة الناعمة، أو ربما نوعاً من الإصرار الجماعي على إبقاء العقل مفتوحاً، والذوق حيّاً، والخيال متقداً. فبين نشرات الأخبار التي تضجّ بالأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، تطلّ علينا تقارير عن إصدار شعري جديد، أو أمسية روائية في مقهى ثقافي، أو حوار إذاعي مع باحث أو كاتب لبناني. وكأن هناك خيطاً سرياً يجمع بين المؤسسات الإعلامية باختلاف توجهاتها، يجعلها تتواطأ إيجابياً في الدفاع عن الفضاء الثقافي، رغم كل ما يحيط بها من تحديات.

لا يمكن إنكار وجود مفارقة صارخة بين الواقع السياسي المأزوم والإصرار الإعلامي على متابعة الفعاليات الثقافية. في الوقت الذي تتعطل فيه المؤسسات الدستورية ويُقاطع فيه البرلمان، تنشط الصفحات الثقافية في الصحف الكبرى، وتزدحم الشاشات ببرامج تسلط الضوء على إصدارات أدبية وفكرية، فيما تخصص الإذاعات ساعات ثابتة للحديث عن كتاب جديد أو لاستضافة مبدع في الشعر أو المسرح أو النقد الفني. ليس هذا فقط دليلاً على متانة الثقافة في لبنان، بل هو برهان على وعي الإعلام اللبناني بدوره الجوهري في حماية التنوع الثقافي من الاندثار، وتقديمه كبديل راقٍ وسط ضجيج الانقسامات.

في زمن باتت فيه القراءة الورقية مهددة بالتراجع لصالح التصفح السريع على وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظل قناعة سائدة بأن الجمهور اليوم يفضل المحتوى المختصر والمباشر، لا تزال الوسائل الإعلامية اللبنانية تعاند هذا التيار، وتمنح مساحة كبيرة للمحتوى الثقافي، وكأنها تراهن على أن الجمهور اللبناني ما زال يملك تلك الشهية القديمة للمعرفة، أو على الأقل تلك الرغبة في سماع صوت مختلف عن صراخ السياسة اليومي. وهذه مقاومة تستحق التوقف عندها، لأنها تمنح الإعلام اللبناني فرادة خاصة في محيط عربي غالباً ما تتآكل فيه الصفحات الثقافية لصالح التحليلات السياسية أو الاهتمامات الاستهلاكية.

هذه الفرادة لا تُبنى على صدفة، بل على تاريخ طويل من التفاعل الجدّي بين الإعلام والثقافة في لبنان. فمنذ بدايات الصحافة اللبنانية في القرن التاسع عشر، شكلت الثقافة عنصراً أساسياً في خطابها، وكانت الصحف والمجلات منابر لتيارات فكرية وأدبية، حملت رسائل التنوير والنهضة والانفتاح. هذا الإرث ما زال يُرخي بظلاله على المؤسسات الإعلامية اليوم، ويدفعها لمواصلة دعمها للمبدعين والمثقفين، لا بوصفهم زينة للهواء، بل بوصفهم شركاء فعليين في بناء الوعي الجمعي.

وإذا أردنا أن نقارب هذا الدور من زاوية العمل الإعلامي، سنجد أن الصحافة الثقافية في لبنان ما زالت تحتفظ بجودة ملحوظة، ليس فقط في التغطية الإخبارية للأحداث الثقافية، بل أيضاً في النقاشات النقدية، والمراجعات الأدبية، والتحقيقات المعمقة حول واقع النشر والتعليم واللغة والهوية.

هذه الحصانة التي يتمتع بها المشهد الثقافي ليست نتيجة عوامل داخلية فحسب، بل تُعد ثمرة دعم واضح من الإعلام اللبناني، الذي بات يدرك أكثر من أي وقت مضى أن بقاءه كقوة مؤثرة يتطلب تمايزاً في الشكل والمضمون. ومن هنا، فإن تخصيص الموارد والكوادر والأوقات لبرامج ومواد ثقافية، هو بمثابة استثمار بعيد المدى في الهوية والقيم والمصداقية.

من اللافت أيضاً أن الإعلام اللبناني لا يكتفي بنقل أخبار الثقافة المحلية، بل يسعى إلى تسليط الضوء على إبداعات لبنانية في الخارج، سواء في معارض الكتاب أو الجوائز الأدبية أو المهرجانات، بما يعزز حضور لبنان الثقافي عربياً وعالمياً. كذلك، تُمنح المساحة للأسماء الجديدة، إذ نلاحظ اهتماماً لافتاً بكتّاب شباب ومبادرات ناشئة، في محاولة مستمرة لضخّ دم جديد في شرايين المشهد الثقافي.

أما على مستوى المحتوى الرقمي، فقد بدأت بعض المنصات الإعلامية التقليدية تدخل بذكاء إلى عالم “السوشيال ميديا”، حاملة معها هذه الرسالة الثقافية، من خلال فيديوهات قصيرة لمراجعات كتب، أو تغطيات بصرية لمعارض فنية، أو بودكاستات أدبية، مما يضمن بقاء المحتوى الثقافي على صلة بالجيل الجديد، ويؤكد أن الإعلام قادر على التكيّف دون أن يتخلى عن جوهره.

إن أهمية هذه الديناميكية الإعلامية تتجاوز مجرد التغطية الخبرية، لأنها تؤدي دوراً بالغ الأثر في تعزيز الحريات الفردية والجماعية. فالثقافة، بما تحمله من آفاق وتأملات وتجريب فكري، تخلق هوامش أوسع للتعبير، وتمنح المواطن فرصة للتنفس خارج جدران الانقسام السياسي. وهي بذلك تساهم في رسم ملامح جديدة للحرية، أكثر رسوخاً واتزاناً، وأقل انفعالية وتسييساً.

من هنا، يمكننا الوصول إلى بعض الخلاصات الضرورية أولها أن الإعلام اللبناني مطالب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بمواصلة هذا الخط الثقافي، بل وتوسيعه وتطويره، باعتباره أحد أنقى أشكال التعبير الوطني. ثانياً، ينبغي دعم الصحافة الثقافية من خلال التدريب والتمويل، وتمكين الصحافيين المتخصصين في هذا المجال. ثالثاً، يجب العمل على شراكات بين الإعلام والمؤسسات الثقافية، مثل دور النشر والمراكز البحثية والجامعات، لتوسيع دائرة التأثير وإثراء المحتوى.

فالدفاع عن الثقافة ليس ترفاً ولا ترفيهاً، بل هو فعل مقاومة حقيقية في وجه الابتذال والانغلاق. وفي بلد كلبنان، حيث تتقاطع الهويات وتتزاحم التحديات، يبقى للثقافة دورها كجسر نحو الذات، ونحو الآخر، ونحو المستقبل. والإعلام اللبناني، إذ يواصل رعايته لهذا الجسر، إنما يثبت أنه ما زال قادراً على تقديم الأمل، لا من باب التهويم، بل من باب الالتزام الحقيقي بجوهر رسالته.


tags: