..ودار الزمان دورته. وإستكملت “مآثر” التسلط باسم الطوائف. سقطت “الشيعية السياسية” مع هزيمة “الثنائي المذهبي”، التي لا يبدل منها ولا يغير بوصلة، وجود ياسين جابر في وزارة المالية. المشهد الأثير الذي سيبقى، أن بري بعد عقود من الممارسات الفوقية خرج من الباب الخلفي. ولمن يهمه الأمر فإن جابر وعليه أطنان المآخذ، المقرب أولاً وعاشراً من مصالحه، هو نفسه الذي أُحرق منزله في النبطية بعد إنكشاف حديثه إلى “ويكيليكس” ما أطاح نيابته!
لبنان يتغير مع هزيمة “الثنائي المذهبي” وإكتمال إنهيار مشروع الهيمنة الإيرانية، ما كلّف لبنان وجنوبه تحديداً، كما الضاحية ومناطق في البقاع الثمن الأغلى والأفدح. وأغلى الأثمان التي لا تعوض مطلقاً أن اللبنانيين لتاريخه لا يعلمون عدد الضحايا الذين أزُهقت أرواحهم خدمة لمخطط خارجي، وسيمر الكثير من الوقت لوضع تقدير قريب من الحقيقة عن حجم الأضرار المخيفة المباشرة والمتأخرة. وأنه لن يكون هناك أي مفر من الحساب. الخاسرون عديدون يجمعهم إختطاف الدولة وتنظيم أخطر منهبة إنتهكت خلالها كرامات الناس وسلبت حقوقها، ومنعت العدالة، وهم تحالف إجرامي من كارتلات سياسيىة وبنكرجية وميليشياوية!
الحدث المدوي أنه بات للبنان لأول مرة منذ إتفاق الطائف قبل 35 سنة حكومة مختلفة، حكومة تأسيسية أخرج صيغتها تكامل العمل بين الرئيس جوزاف عون ورئيسها نواف سلام، فأنهى تشكيلها الكثير من التقاليد والأعراف البالية. حكومة العهد الأولى التي أنهت زمن إنفراد حزب الله بتأليف الحكومات والذي بدأ مع حكومة “القمصان السود” في العام 2011. يمثل الوزراء ال24 وبينهم 5 سيدات، لبنان ومصالح أهله، ولن تكون الوزارات إقطاعات لقوى طائفية بعينها بل لقيادة نهوض البلد وتعافيه وحماية حقوق الناس كما هو مفترض ولم يعرفه لبنان منذ الإنقلاب على الطائف والجمهورية وقيمها وتعليق الدستور وممارسة الحكم بالتعطيل والشغور والفراغ وفائض القوة. حكومة مع ثلاثة من الكفاءات النوعية نواف سلام، طارق متري وغسان سلامة ومعهم كوكبة وجوه مستقلة وأكثرية إصلاحية وسيادية تمت تسميتهم وفق الدستور ومعايير تضمن قيام حكم رشيد. قال عن الحكومة رئيسها نواف سلام أنه “يتمنى أن تكون حكومة الإصلاح والإنقاذ”، فوضعها سلفاً تحت المجهر الداخلي والإقليمي والدولي. وإلى أولويات الإستقرار الذي يقوم على بسط السيادة وإستكمال التحرير وتنفيذ كامل للقرار الدولي 1701، وعد سلام بأن الحكومة “ستسعى إلى وصل ما إنقطع بين الدولة وطموحات الشابات والشباب، لتبعث الأمل في نفوسهم، فيشعرون أن أحلامهم يمكن أن تولد هنا وتتحقق هنا في وطنهم.” وأعاد القاضي سلام تأكيد أولوية الثنائية التي يتمسك بها لجهة إستكمال الإصلاحات السياسية والإصلاحات المالية والإقتصادية “ولعل تلازم هذين الأمرين الأساسيين عنوانه إقامة السلطة القضائية المستقلة”.
ولأول مرة منذ “إتفاق الدوحة” عام 2008، لا ثلث معطلاً في الحكومة، ولا وزير ملك، ولا ميثاقية يهددون البلد بها، ولا توقيع ثالثاً لفرض الفيتو على البلد، ولا ثلاثية خشبية. حكومة نجح نواف سلام بتأليفها بعد 26 يوماً على التكليف، وبعد شهرين بالتمام على سقوط نظام صيدنايا في سوريا. وبعد 33 شهراً من الفراغ في السلطة مع وجود حكومة حزب الله تصرف الأعمال في زمن أكبر زازال ضرب لبنان والمنطقة، مع حرب أخذه إليها حزب الله قسراً فدمرته. فيما تنازل المقيم بالسراي الحكومي عن صلاحيات دستورية لصيقة برئاسة الحكومة ومجلس الوزراء وترك البلد ومصالح أهله: مرة يقول القرار ليس عندي، وثانية يتخلى عن صلاحيات دستورية فيترك أمر التفاوض ل”الثنائي المذهبي” المسؤول الأبرز عن إستدراج الإحتلال لأرضنا!
وليكن معلوماً ومفهوماً أنه رغم الإيجابيات الكبيرة، فحكومة الإصلاح والإنقاذ ليست أبداً حكومة قوى التغيير، قوى ثورة تشرين التي كان لها أكثر من بصمة على التكليف ومسار التأليف. الثقة كبيرة بالرئيس القاضي نواف سلام والثقة باتت أكبر بعد إعلان التشكيلة الحكومية. والتعامل الإيجابي سيكون موجوداً وعلى القطعة. ستبقى الأولويات التشدد في إستمال التحرير وفرض العودة وحصر حمل السلاح بالقوى الشرعية وبدء زمن المساءلة والمحاسبة وإستعادة الحقوق وتأمين العدالة مع قضاء مستقل لرفع الجور عن الناس وإنهاء زمن التحالف المافياوي السياسي المصرفي الميليشياوي الذي أذلّ اللبنانيين.
والأشهر الآتية ينبغي أن تشهد بلورة آليات توحد قوى التغيير على أجندة سياسية ملموسة وبلورة برنامج حكم تعمل له، وعلى أساسه ينبغي التوجه لنيل ثقة الناس في إنتخابات العام 2026. الوقت قصير والوقت كالسيف والمعركة ينبغي أن تخاض على 128 مقعداً والحكومة ستكون مسؤولة عن ضمان نزاهة الإنتخابات، ومسؤولة كذلك عن قانون إنتخابي يضمن عدالة التمثيل في الإنتخابات البلدية والبرلمانية.
الموالاة لحكومة “الإصلاح والإنقاذ” شيء، و”كلن يعني كلن” ستبقى مرفوعة ولا تستثني أحداً من المافيا السياسية المصرفية والميليشياوية.