1. Home
  2. زوايا
  3. الكتابة على جسد ” الحمرا”
الكتابة على جسد ” الحمرا”

الكتابة على جسد ” الحمرا”

0
0

نبيل مملوك – قد تكون الكتابة عن بقعة ” الحمرا ” في بيروت تكديس لغويّ إضافيّ٬ وقد تكون إضافة خفيفة تمامًا كغيمة تزيّن سماء بيروت الشتويّة.
بعد ١٥ يومًا من التسكع المقتطّع في هذه البقعة التي بدأت تتنفّس بشكل منتظم٬ بدءًا من تاريخ وقف اطلاق النار٬ صارت رؤية شوارعها وزواياها ومقاهيها أكثر صفاء٬ بعين نقيّة٬ الهواء صار ألطف٬ الناس خلعوا ظلالهم وعادوا إلى أجسادهم وضوضائهم المنظّمة.
المكتبات في الحمرا كالشامات على ظهر امرأة بيضاء٬ ترسو كأنها تعرف أنّ شفاها ستقبّلها٬ أنّ يدًا ستخطف لمسة منها وتنشد شعورًا عتيقًا له عطر غير مفهوم.
في ” زاروب الحمرا” حيث يجلس عبّاس بيضون وباقي المثقفين يخرج صوت فيروز كندّ لضحكات وأحاديث لا لبس في دلالاتها٬ شعراء يريدون الخروج عن قصيدة النثر ويبحثون عن إيقاع حياتيّ سهل.


في منطقة مقهى “الروسّا” يترسّخ أثر شوقي بزيع الذي كتب “جبل الباروك ” وخصل من روح ” أيمن ” العاملي الشهيد…وغنائيات يا حادي العيس وأجراس فكريّة من مقالات نقديّة لا تنتهي في صحيفة الشرق الأوسط.
الحمرا تستطيع أن تبدع على كتفيها الكثير من النساء…الكثير من الأمّهات والصبايا والعاشقات الضبابيات…ينتظرن قرب محلّات” بربر ” أن يخفت الجوع العاطفي والحنين إلى الأمومة والحبّ والبنوّة…أن ينسينَ قليلًا اكتظاظ النازحين الذي شطب حركتهن خلال الحرب…أن يتقدمن قليلًا نحو مكتبة أنطوان ليقرأن على الواجهة عناوين واقعهن الحالي.
الفنادق تقف كأغلفة كتب لا تهزها الشموس…صورة “الصبوحة” تضح لكل العاصمة ناصعة٬ أسماء قديمة لفنادق كال”كرون بلازا” تضيء تاريخًا لا تشفى من شقائه وشقاوته الذاكرة٬ جرائد هنا وهناك٬ كتب مستعملة معروضة على خشب صادق ينازع خدوشًا وعواصف ومسامير سامّة كتاريخ لم يعرف الاستقرار.
في شارع المقدسي…صوت الشيوخ الباحثين عن فيء يريحهم من الحكايا يأخذك نحو مكتبة “الرافدين” حيث تتواصل عملية انجاب إصدارات حديثة تقذفك نحو مكتبة ” مكتبجي” الأثريّة الصاخبة بصوت الكتب المستعملة…وضحكات “صبايا” الAUB والLAUالناعمات الحسناوات.
في الحمرا قد تجلس في تاء مربوطة وترى نديم جرجورة يصيغ مزاجه الخاص وتتابع كأنك مشاهد عادي حركاته دون أن يخطر ببالك أن تنده على أستاذ صحفيّ مثله وتشتّت طقوس حياته العاديّة أو الخاصّة.
في الحمرا الجميع يقظ٬ ديناميكي٬ نشط٬ يكفي فقط أن تكون مثقفًا أو أن تحاول…يكفي أن تكون انسانًا يجيد لغة الأرصفة النظيفة…باردة كانت أو حارّة…كي تعرف طريقة العودة إلى مسقط رأسك ولا تعود.