حسين ابراهيم – من المؤسف أن يغدو النّصر في بلادنا، حدثًا ميتافيزيقيًّا، تُغذّيه الأساطير، وتختلف حوله الشّعوب. والمؤسف أكثر من ذلك، أن يغدو ذلك النّصر، كالقيامة تحديدًا، نهايةً حتميّةً، وُضعت سلفًا، من غير شروط أو مؤشّرات. نهايةً، مَنْ يشكّك فيها، يُرشق بتهمة شبيهة بالكفر والزّندقة، لكنّها تُسمّى في هذه الحالة، تخاذلًا أو خيانة.
لا ضير في أن يكون النّصر أملًا نتسلّح به وقت الشّدائد، في أن يكون أمنية أو طموحًا نسعى إليه دائمًا. إنّما الضّير كلّه في أن ننكر الواقع، حين لا تتحقّق أمانينا وطموحاتنا الجميلة. إنّ النّصر المزعوم في حربنا الأخيرة مع إسرائيل، ليس واقعًا ملموسًا، بل قصّة جميلة، ابتكرناها لنواسي بعضنا البعض، ونُشبع إنكارنا الطّفوليّ. وقد ظللنا نردّدها حتّى صدّقناها، فتحوّلت من قصّة خياليّة، إلى تأريخ حاسم، لا يقبل النّقاش.
لكنّ الذي صدّق تلك القصّة الجميلة، سيجد دائمًا تبريرًا ومخرجًا. فقد يقول مثلًا: إنّنا انتصرنا حين منعْنا العدوّ من تحقيق أهدافه. والسّؤال الذي يطرح نفسه في هذه الحالة: ماذا كانت أهداف العدوّ في هذه الحرب؟ احتلال لبنان؟ ليس تمامًا. فهذا هدف استراتيجيّ عامّ، لا شكّ في صحّته، إلّا أنّ الحرب لم تشتعل من أجله! لقد اشتعلت لسبب واضح، وهو إسناد غزّة. وعليه، إنّ الأهداف الإسرائيليّة تمثّلت بإحباط ذلك الإسناد، وما ينطوي عليه من مساع. وقد نجح العدوّ في تحقيق أهدافه هذه، من غير شكّ.
ليس من الصّواب تحوير الحقائق، وحجب الأهداف المرجوّة للعدوّ، خلف أهداف استراتيجيّة عامّة وكبرى، لم يشرع في تحقيقها إلّا حين بدأت الحرب. فهذا تبرير يائس لانتصار مزيّف. إنّ الأجدى لنا أن نقرّ بهزائمنا، لنحافظ على القيمة الحقيقيّة للنّصر. فاللّهاث خلف انتصارات ضئيلة لا تُرى بالعين المجرّدة، سيمنعنا من تحقيق انتصار كبير مُرتَقَب. إنّنا نغرس في عقول أبنائنا فكرة كاذبة عن النّصر، وحين يصدّق أبناؤنا هذه الفكرة، سيرون في كلّ حدث تافه، نصرًا ومجدًا. وعندها ستغدو انتصاراتهم وأمجادهم الكثيرة، قصرًا من الكوتشينة، ينهار عند أوّل نسمة عابرة.
لقد اعترض مفكّرونا ونقّادنا سابقًا على مصطلح “النّكسة”، لما فيه من خداع للعقول والبصائر، وتجميل للواقع المزري. ولعلّ الله قد تغمّدهم برحمته، فرفعهم إليه، قبل أن يسمعوا الاصطلاح الجديد للهزيمة.
لا بدّ من مواجهة مخاوفنا وهزائمنا وخيباتنا، فالهروب منها، كما يقول النّفسانيّون، يفاقمها، لا يقلّصها. قد نسقط مرّة، لا مشكلة، فبإمكاننا النّهوض مجدّدًا، وتصويب أخطائنا. لكنّ المشكلة تكمن في المكابرة والكذب، في جعل سقوطنا مهارة جديدة نفخر بها، رياضةً نحاول إقناع أنفسنا والآخرين بجدواها. إنّ النّصر الحقيقيّ يولد من رحم الهزائم، لا من رحم الأوهام. وربّما هذا ما قصده نزار قبّاني حين قال: “بالنّاي والمزمارْ، لا يحدثُ انتصارْ”.