1. Home
  2. لبنان
  3. طرابلس عاصمة الإنسانية
طرابلس عاصمة الإنسانية

طرابلس عاصمة الإنسانية

35
0

هي طرابلس نفسها التي لم تتبدل ولم تتغير، كما استقبلت النازحين اللبنانيين من الجنوب خلال حرب تموز 2006، وكما فتحت أبوابها للأشقاء السوريين في حرب 2011، ها هي تستقبل من جديد النازحين اللبنانيين في حرب أيلول 2024. لكن هذه المرة، تختلف المشاعر والأحداث التي تشهدها المدينة، لتضيف إلى سجلها الناصع فصولًا جديدة من العطاء والبطولة.

طرابلس، المدينة التي عاش أهلها جولات من الألم، حُفرت آثارها عميقًا على جدرانها. لا تزال جراح تفجير مسجدي التقوى والسلام في أغسطس 2013 دامية في قلوب أهلها، وجولات الاقتتال الاثنتا عشرة بين جبل محسن (ذات الأغلبية العلوية المدعومة من حزب الله والنظام السوري) ومنطقة التبانة لا تزال شاهدة على الصراعات الدامية التي حوّلت أحيائها إلى ساحات قتال ودماء على مدار سنوات، وسط صمت وتواطئٍ سياسي مخزٍ.

عانت طرابلس من إهمال الدولة المزمن ووعود كاذبة، لم تكن إلا خطابات جوفاء لم تُغنِ عن أهلها شيئًا. استُغل فقر بعض أبناء أحيائها لتُستخدم كأداة لتحقيق أجندات سياسية ضيقة. ورغم ذلك، ظلت طرابلس شامخة، متقدمة الصفوف في كل مرة تستدعيها الوطنية، واضعة الواجب الإنساني والديني فوق كل اعتبار.

ففي خضم ثورة 17 تشرين الأول 2019، ارتدت طرابلس تاج “عروس الثورة”. لم تكن مجرد مدينة تشارك في الحراك، بل كانت القلب النابض للثورة، الحاضنة لأحلام التغيير. في ساحاتها، صدحت الأصوات الرافضة للفساد والظلم، الداعية إلى الحرية والعدالة. قبلها، كانت طرابلس صوت المظلومين، تطالب بالإفراج عن الموقوفين الإسلاميين الذين احتُجزوا لعشرات السنين دون محاكمات، في صرخة حق لا تزال تتردد في أرجاء الوطن.

ورغم كل هذه المآسي، أثبتت طرابلس في أيلول 2024 أنها على موعد جديد مع الإنسانية والبطولة. مع اندلاع العدوان الإسرائيلي الوحشي الذي اجتاح لبنان، نزح أكثر من مليون و300 ألف لبناني من الجنوب والضاحية الجنوبية ومناطق البقاع وبعلبك في أكبر موجة نزوح شهده تاريخ لبنان،وذلك بفعل القصف والدمار. حينها، كان لأهل طرابلس الكلمة الفصل؛ فتحوا بيوتهم ومدارسهم ومنشآتهم، واستقبلوا النازحين برحابة صدر لا نظير لها، مجسدين قيم الإنسانية بأرقى صورها.

المفارقة المذهلة تكمن في هؤلاء الشباب الذين واجهوا في ثورة 17 تشرين قنابل الغاز المسيل للدموع في ساحة النجمة، واصطدموا مع “شيعة الخندق الغميق” وشبيحة مجلس النواب، مطالبين بحياة كريمة وبلدٍ عادل. هم أنفسهم الذين واصلوا الليل بالنهار، لخدمة النازحين، وتجهيز المساعدات، ومد يد العون دون تردد. هؤلاء الشباب جعلوا من طرابلس رمزًا يُحتذى به، وقدوة لكل لبنان.

طرابلس ليست مجرد مدينة، بل هي عاصمة بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ. عاصمة الإنسانية، عاصمة لبنان الحقيقي الذي نحلم به جميعًا. فشكرًا لطرابلس وأهلها وشبابها، على دروس التضحية والعطاء، وعلى تمثيلهم الوجه الحقيقي للبنان النبيل، لبنان الذي لا تنطفئ إنسانيته وسط العواصف، بل تزداد إشراقًا وتوهجًا.


tags: