أوصل نظام الملالي لبنان إلى الدمار، وتعرضت قوته القتالية الرئيسية في فيلق القدس، عنيت حزب الله، إلى خسائر جسيمة ونوعية لن يكون ممكناً تعويضها والتغلب عليها في المديين القصير والمتوسط. المكابرة لن تبدل المشهد ولن تغير من الواقع، لأنه إلى الأهوال التي لحقت بلبنان واللبنانيين عموماً، فإن ما يلوح في الأفق هو إحتمال كبير بعودة الإحتلال الصهيوني لأجزاء من وطننا. والأمر الأكيد أنه لا يؤمن للعدو ونواياه، مطامعه معروفة، وبالتالي ما من أولوية تفوق اليوم أولوية وقف الهزيمة عند الحد الذي بلغته!
الإنكار والمكابرة خطران على البلد وكل أهله، وهما الوجه الآخر من ميدالية الخطاب الممانع الخطير، الذي يتحدث عن إستعادة الإمكانات العسكرية لحزب الله، وعن القدرة على القتال والصمود. ويستمرون في زمن السرديات التي سقطت كلها، فيعلنون عن الإنتقال مما كان قد حدده نصرالله قبل إغتياله بأنه منع العدو من الإنتصار، إلى ما أعلنه نعيم قاسم وهو القدرة على إيلام العدو.. دون أي توقف عند الثمن الذي يدفعه لبنان.
إنها طروحات تسقط “التفصيل” الذي يهم الناس. تسقط من الحساب وضع المدنيين وأحوالهم والأهوال التي يكابدونها، تسقط من الحساب أحوال النازحين قسراً وهم ربع الشعب اللبناني، وأحوال المجتمعات الهشة، التي تتحمل كل أعباء النزوح. إنه خطاب إنكار يعتبر ما لحق بالبلد من دمار وخراب وموت مجرد خسائر جانبية(..) وأن “المقاومة” بخير بدليل إستمرار الرشقات الصاروخية!
دعونا نتذكر ما قاله النائب عن حزب الله الموسوي، أمام هول التدمير والقتل في إستهداف محلة النويري في قلب العاصمة: “نحن لا يخيفنا قتل المدنيين”! عبارة تلخص ثقافة مدمرة ورؤى قاصرة، فإن لم تكن المقاومة للدفاع عن السيادة والأرض حماية للأرواح وحقناً لدماء المواطنين، تكون مقاولة، وتكون مقامرة بالبلد والعباد، تدير الظهر للويلات النازلة بالناس موتاً وتهجيراً وتجويعاً وإفقاراً وإذلالاً كرمى أجندة خارجية، وهو أمر يثبته مجرى الأحداث منذ إنفجرت الحرب الإسرائيلية الإيرانية مستبيحة لبنان.. وما رافق هذه الحرب من ممارسة سياسية فوقية صلفة من جانب نظام الملالي وكان آخرها حديث قاليباف الذي ينتهك كرامة البلد وكل اللبنانيين.
الأكيد أن الحرب طويلة، وها هي الحرب على غزة التي دخلت العام الثاني مستمرة، ولا سقف لوقفها؛ لا موعد الإنتخابات الأميركية ف5 تشرين الثاني ولا موعد تسلم الرئيس الأميركي الجديد في 20 كانون الثاني 2025. ما تقوم به حكومة التطرف الصهيوني في إسرائيل، بعد نجاحاتها في غزة ونجاحاتها الكبيرة في لبنان، له عنوان واحد هو تحطيم قدرات الأذرع الإيرانية. القرار بذلك أميركي غربي وإسرائيل هي بالنهاية ما قاله أرييل شارون في العام 1982 حاملة طائرات تنفذ السياسات التي تحمي المصالح الأميركية.
إن هدف هذه الحرب التي تسببت بها الخطيئة المزدوجة يومي 7 و8 تشرين أول 2023، إلحاق هزيمة كاملة الأركان بحزب الله بعد حماس، لأن ذلك سيلقي بثقله على بقية الساحات: على العراق وميليشيات الحشد الشعبي، واليمن والميليشيات الحوثية. أما في سوريا فيبدو أن خطوات النظام تتسارع لتقييد حركة المستشارين الإيرانيين والفصائل التابعة لهم، وبالأخص حزب الله مع خطوات، تصفها الجهات الرسمية السورية بأنها إحتوائية، وقضت بمصادرة مخازن أسلحة تابعة للحزب كما أطراف فيلق القدس! ومن شأن هذا المنحى أن يفضي إلى تراجع جدي في السياسة التوسعية الإيرانية، لذا تسعى طهران لإعاقته من خلال المزيد من إشغال الجبهة اللبنانية ولو حتى آخر حجر وآخر لبناني! والهدف الإيراني الأبعد، التمكن من عدم وضع نظام الملالي في مواجهة مباشرة مع الكيان الصهيوني، وهو أمر يبدو آتٍ، مع تصاعد العد العكسي لضربة إسرائيلية مباشرة لإيران!
يستدعي هذا الوضع الخطير أداء سياسياً إستثنائياً يقطع مع السياسات التي أوصلت البلد إلى الجحيم. حكومة تصريف الأعمال أمام تحدٍ لا مفر منه بإعلان فصل جبهة لبنان عن غزة، وكذلك إعلان وقف للنار من جانب واحد ليشكل المرتكز للدول الصديقة علّها تستطيع إرغام العدو على وقف النار ووقف تدمير لبنان.
وهذا الوضع يستدعي وقف التذاكي وسياسة الخبث والمصالح الضيقة، فالدمار في كل مكان ومثله رائحة الموت، وبالتالي متى يمكن للبرلمان أن يتحمل مسؤوليته الأخلاقية لأن يجتمع وينتخب رئيساً للبلاد وليس رئيس محاصصة لوضع الرئاسة والجمهورية في خدمة مصالح المتسلطين. وجود رئيس ينتخب بشفافية خطوة أساسية لإعادة تكوين السلطة، والبداية تشكيل حكومة إنقاذ وطني، من خارج آليات التحاصص التي أنهكت البلد وقدمته لقمة سائغة للعدو. حكومة قادرة على الفوز بثقة المواطنين، وقادرة على إسماع العالم صوت لبنان ومطالبه، لمنع إحتلال جديد لأرضنا، وخوض مواجهة سياسية ديبلوماسية للوصول إلى تسوية ترتكز على إتفاقية الهدنة والطائف.
الشجاعة في هذا التوقيت تكمن في السعي الجاد لوقف الهزيمة عند الحد الذي بلغته، وغير ذلك إمعان في الإنكار ولعب بالمصائر والسيادة!