لولا “مترو غزة” الذي يمتد نحو 500 كلم، ويربط القطاع بداخل الكيان الصهيوني وشبه جزيرة سيناء، لكان سقط أكثر من 40 ألف ضحية تم توثيق أسماءهم، إلى عشرات ألوف الضحايا تحت الردم، ونحو100 ألف جريح!
هذا التعليق ومثله الكثير حفلت بها صفحات التواصل الإجتماعي، إرتباطاً بفيديو الأنفاق “عماد 4” الذي وزّعه الإعلام الحربي في حزب الله بعنوان “جبالنا خزائننا”! أظهر الفيلم الترويجي نفقاً ضخما يسمح بمرور شاحنات ثقيلة تحمل راجمات صواريخ، ضخمة تتجول تحت الأرض في نفق واسع مضاء( والعتمة تلف بقية البلد)، وتسير الشاحنات والمقاتلين على دراجاتهم نحو أبواب حديدية تفتح إستعداداً لإطلاق الصواريخ. ومع البث المثير لهذا النفق، نقل عن حزب الله قوله إن “المنشأة من ضمن سلسلة منشآت لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي”. وجدد التأكيد أن الرد على إغتيال قائده العسكري فؤاد شكر “إلتزام ثابت” وأنه “وفق التوقيت الذي تختاره المقاومة”.
سيل الأمثلة عن الأنفاق يفترض ملاحظات سريعة.
لقد إشتهر ثوار الفيتكونغ بإقامة الأنفاق خلال حرب التحرير. من حدود اللاوس وكمبوديا مع الفيتنام أقاموا مئات الأنفاق التي أوصلتهم إلى سايغون عاصمة جنوب الفيتنام. وإستهدفوا عبر الأنفاق القواعد الأميركية ..وخلفهم أقاموا حول المدن وداخلها وفي البلدات وحتى الأرياف، عشرات ألوف الملاجيء لحماية حياة الناس وإصراراً على بقاء عجلة الحياة دائرة: الإقتصاد والتعليم والإستشفاء.. رغم الغارات المروعة للقاذفات الضخمة “ب 52”.. كانوا يقاتلون المحتل الأجنبي الذي تعب من القتل فخرج مدحوراً. أرضنا تحررت في العام 2000 وهم إياهم حددوا 25 أيار عيداً للتحرير!
الذين أرادوا إدهاش اللبنانيين بعظمة “عماد 4” فاتتهم تفاصيل بسيطة. منها ما يبرز من إدارة الظهر لوضع الناس. فإلى البلدات الحدودية التي تحولت إلى ركام يمتد من البحر إلى تخوم جبل الشيخ، فرغت كل هذه المنطقة من أهلها قسراً وإنعدمت فيها الحياة وباتت أرضاً محروقة هي بالتوصيف الدقيق مجرد حزام أمني فرضه العدو بالنار والدمار! ومنها كذلك أنه لم يكن على جدول الأعمال “المقاوم” من ضرورة لإقامة أي عنصر من عناصر حماية الحياة؛ غابت الملاجيء التي تصون حياة المواطنين، وغاب كل إهتمام بالحد الأدنى الذي يفترض تأمين وسائل العيش. أي منطقة تتصحر من أهلها يعني أن العدو حقق مراده.
يبقى ما هو بالغ الأهمية إنطلاقاً من المقتلة التي حولت قطاع غزة إلى مقبرة مفتوحة، فبأي حقٍ يقوم حزب الله بالإستخفاف بحياة المواطنين وإحتمال تكرار نموذج غزة على أوسع نطاقٍ في لبنان؟ أين هي بقايا السلطة وأين كل الطبقة السياسية من هذا التعسف بإقامة أنفاقٍ تحت اللبنانيين، في مدنهم وبلداتهم وجبالهم وتحت منازلهم ومدارسهم، ومن دون قرارٍ منهم؟
ولنتذكر لقد تركوا بيروت وأهلها تنام على وسادة نووية فإنفجرت بهم في 4 آب 2020. إنهم يكررون الفعلة نفسها..ما يجري إستخفاف بحياة اللبنانيين، كل اللبنانيين، عندما يُعطى العدو المتوحش الدموي، الفرصة لإستهداف المنشآت المدنية والأحياء وغيرها مما يعتبره مناطق إستراتيجية بذريعة أنها تحوي أنفاقاً يخزن فيها حزب الله السلاح لمقاتلة إسرائيل! كما علينا أن نتوقف عند جانب هام هو أن الأنفاق التي يتحدث عنها حزب الله لم تنجح بحماية المئات من كادراته القيادية التي تعرضت للإغتيال على إمتداد الجنوب وحتى الحدود السورية والهرمل!
نفتح مزدوجين للإشارة إلى التالي: سئل القيادي الحمساوي أبو مرزوق لماذا غابت الملاجيء عن قطاع غزة فقال: الأنفاق لحماية الكادرات والمقاتلين، أما المسؤولية عن المدنيين فتعود إلى الأونروا والأمم المتحدة. جواب بليغ ومؤثر ويدين الأونروا التي لم تنشىء الملاجيء! من لنا في لبنان، ليدلنا حزب الله، أو ثنائي قيادة الإنهيار بري وميقاتي، وهل لدى النجيب شيء إضافي على ثلاثيته: “صمت وصبر وصلاة”!
وبعد، يبحث حزب الله كما طهران رأس المحور الممانع، عن رد عسكري على العدو يحفظ ماء الوجه ولا يمنح نتنياهو فرصة تفجير برميل البارود بأخذ المنطقة إلى حربٍ واسعة. لذا قالت “الأخبار” إن هذا “الكشف سيتحول إلى أداة إقناع إضافية لأحد الأطراف (الإسرائيلية) حول محدودية جدوى أي خيارات متهورة قبل أو بعد رد حزب الله القادم على إغتيال القائد العسكري فؤاد شكر”..وتضيف “الأخبار”، (مفيد أخذ أسرارهم من صغارهم)، أن هذا الجانب من القدرات يجعل “قادة العدو أكثر عقلانية في أعقاب الرد الآتي”(..) نعم نعم التهديد كبير وعلى إسرائيل التحوط إن قررت الرد على الرد. لكن هذا التهديد أرعب اللبنانيين أكثر من العدو. مئات الألوف ما زالوا يعيشون تروما تفجير بيروت، ومئات الألوف عاشوا رعب خرق جدار الصوت! كفى الإستخفاف بحياة اللبنانيين والمقيمين وكفى هذه الإستباحة والإصرار على أخذ البلد إلى حرب مدمرة مرجعيتها طهران!