يستكمل رجل الأعمال بهاء رفيق الحريري جولته “السياسية” في بيروت منعزلًا عن الكتل البرلمانيّة والسياسيّة القائمة دون أن يكون مصحوبًا بتكتيك إعلاميّ وصحفيّ رصين يرصد تحركاته٬ الحريري الذي نادى “القوم” خلال تشييع والده الشهيد لم يتعامل مع لبنان حتى الٱن سوى على أنّه صفقة يريد أن يظفر بها٬
بديهيّات الفشل السياسي
بعيدًا من التنمر والتصويب الشخصي٬ فمشروع الابن الأكبر ولد ميّتًا لثلاثة أسباب جوهريّة:
وقوفه بوجه شقيقه دون تقديم مشروع بديل أو مشروع مستحدث ونقدي بناء لمشروع تيار المستقبل وانضمامه إلى منهجيّة “خلخلة الكتلة السنيّة” التي بدأها الصقور المنشقين عن المستقبل
دخوله عالم السياسة مرتين على الأقل متجاهلًا طبيعة لبنان السياسيّة القائمة على سياسة المحاور ما جعل زياراته إلى لبنان “نقاباتيّة خفيفة” كونها تفتقر إلى دعم دوليّ واقليمي، فاطرائه المستمر تجاه المملكة العربيّة السعوديّة التي لم تتخلّ رسميًّا عن الرئيس سعد الحريري أو تتبنى رجلًا بديلًا لا يتعدّى المحاولة ” البهائيّة ” القائمة على التلويح باليد والمناجاة بـ:” أنا هنا …أنا هنا “.
عدم تنسيقه مع أي كتلة سياسية (على الأقل التغييريين) فالالغائية المتّبعة تجعل وصوله إلى السلطة أصعب من وصول أي مرشح فرديّ، فضلًا عن عدم تكوينه كتلة متماسكة ذات مشروع ومكتب سياسيين، فالرجل لا يتمتع بالصبر ولا يمتلك القدرة على النقد الذاتي التي ستساعده على استقطاب كتل أخرى إلى الطاولة وابعاد جمهوره عن منطق اليأس، وما تجربته الانتخابيّة المعنونة ب”سوا” التي زحفت نحو الأفول بعد السقوط المدوّي إلّا خير دليل على افتقاره الصبر والتأنّي.
الأمير الذي لم يقرأ “مكيافيلي “
اعتقد الحريري أنّه أصاب في اختيار التوقيت للدخول إلى لبنان متجاهلًا غليان الشرق الأوسط وانشغال العالم بحرب غزة والانتخابات التي تزحف نتائجها اللامتوقعة نحو أوروبا، ما أظهره بصورة غوغائيّة تتوسّل الاختلاف لكنها تقع في مطبّ الابتذال، فاستقبال الوفود الشعبيّة والنقابيّة لم يكن مبنيًّا على الأخذ والردّ أو العرض والطلب بل كان عبارة عن حواريّات تندرج ضمن نطاق المديح والهز بالرأس ومن ثمّ التدوين، فضلًا عن محاولته الواضحة في العودة إلى شخصيّة القائد في رواية “1984 ” لجورج أورويل، القائد الذي لا يظهر إلّا في الصور حيث تفرض ابتسامته السلطة والسطوة وتسيّر “الإمارة” وتغذّي مشاعر “القوم” لكن هل اكترث الحريري يومًا إلى كتاب “الأمير ” لمكيافيلي؟ هل مرّ على مبادئه التي تنطلق من رغبات الشعوب التي تصنع كيان الحاكم وسطوته؟ لا ريب أن الاجابة معروفة، لكن الرجل يريد أن يفرض معادلة من الفراغ، يهوى الحضور من معالجة سبب الابتعاد أو التغييب الذاتي، يكابر بشكل لاواعٍ حين يصنع من “جمهوره” جسمًا آليا يردّد ما يريده ويبتسم بصخب حين يقترب قلّة من الشباب ليلتقطوا” السيلفي” التي أدرجها شقيقه سعد المتأثر ولو لاشعوريًّا بحركيّة الزعماء الغربيين المعاصرين وسلوكيّاتهم، فهل بهاء الحريري يريد أن يكون أميرًا من دون أن يقرأ ميكافيلي ؟ أو على الأقل أن يبدأ من ألف باء لغة الشارع السياسي؟
لن يكون أثر مغادرة بهاء الحريري مدويًّا إذا استمرّ بسياسة النظر في شظايا المرآة وسيكتب خسارة “القوم” بيده إذا ما استمرّ بسياسة الكتابة على المفكّرة واعتبار لبنان السياسي صفقة يجب أن ترسو عليه سيبقى مجرد وقود يحرّك عجلة تيار المستقبل الجماهريّة ويزيد من شرخ الكتلة السنيّة اكثر فأكثر.