لبنان في عين العاصفة، تتدحرج صعوداً التعديات الصهيونية التي إتخذت بعداً نوعياً مع تدمير مبرمج للبلدات الحدودية بذرائع من نوع أن الإستهدافات تتركز على تدمير ما تدعي تل أبيب بأنه بنى تحتية لحزب الله، والغاية الأساسية فرض حزام أمني على أرض محروقة. وإنتقل حزب الله إلى الرد على الإعتداءات بعدما باتت المبادرة بيد العدو الذي إستهدف أمس في ميدون بالبقاع الغربي مصعب وبلال خلف والأول مسؤول في “قوات الفجر” التنظيم المسلح للجماعة الإسلامية. ويمتد الحريق ليشمل الأحراج المحاذية للحدود، بحيث يتعذر تنقل المسلحين أو تمركزهم..ولا زال منطق حزب الله، الذي أخذ الجنوب ولبنان قسراً إلى حرب مدمرة تندرج في سياق إمساك طهران بأوراق عديدة للتفاوض، لا زال، يتمسك بمقولات من نوع “أن إسرائيل أعجز من أن تفتح حرباً واسعة ضد لبنان”! وكأن كل هذا الدمار وتجاوز الضحايا رقم ال400 خسائر لا قيمة كبيرة لها!
وسط هذا المناخ يصل وزير خارجية فرنسا سيجورنيه إلى بيروت لتسويق مقترح خفض التصعيد. وللمرة الأولى بعد أكثر من 200 يوم على فتح حزب الله جبهة الجنوب، يدعو نجيب ميقاتي أمام لجنة الشؤون الخارجية إلى “فصل ساحة الجنوب عن غزة وتحييدها، لأن الوضع لم يعد يحتمل مزيداً من الخراب والدمار”. ويرى ميقاتي أن فرنسا والموفد الأميركي هوكشتاين “سيعاودان طرح وقف جبهة الإسناد لغزة من الجنوب، خصوصاً أنه لا يبدو أن هذه الحرب ستتوقف قريباً”. هذا الطرح قوبل بردٍ سريع من حزب الله بأن “مسألة الفصل بين الجنوب وحرب غزة غير واردة ولو من باب النقاش”! لكن جريدة الأخبار التي ذكرت أن هوكشتاين موجود في إسرائيل وقد يزور لبنان سيعمل إلى “إحتواء التصعيد من خلال حلٍ ديبلوماسي” وأنه قدم معطيات جديدة إلى غالانت. ووفق الأخبار، التي تعكس إرتياح الثنائي للدور الأميركي، فهناك تماهٍ أميركي مع الحزب وتنسب إلى هوكشتاين أنه سيعمل على”إعادة الجميع إلى قواعد الإشباك في ظل قناعة أميركية بأن الهدؤ في لبنان لن يتحقق قبل التوصل إلى إتفاق كبير يشمل غزة”!
2- توازياً تتجه تل أبيب لإقتحام رفح ويجري نصب عشرات ألوف الخيم لنقل فلسطينيين إليها، وبعيداً عن لغة خشبية تزعم بأن العدو لم يحقق أهدافه، فإنه ينجز أهدافه الكبرى إخلاء غزة من أكثرية سكانها. إقتلاع غزة يتواصل والإبادة الجماعية تتسع وسبل العيش تتراجع والجوع يهدد الرضع بالموت! بالمقابل تتسع انتفاضة الجامعات في أميركا، وتنتشر بقعة ضوء تعكس رفض النخب والشباب عموماً للحروب، ورفض تمويلها، وإدانة للسياسات العنصرية الصهيونية والتغطية الأميركية للإبادة الجماعية المرتكبة على مرأى العالم وتستهدف الشعب الفلسطيني في غزة.
إنها إنتفاضة فاجأت بعمقها وإتساعها، صناع السياسة في الولايات المتحدة الذين يعرفون، أن ما قوبلت به من تعدٍ على الحريات الجامعية والأكاديمية سيترك بصمات على المستقبل الأميركي والعالم.. وكم تبدو هزيلة ترويجات من نوع أن حماس وحزب الله ورأ الإنتفاضة في أهم جامعات أميركا وخصوصاً ما يعرف بجامعات النخبة! وكم يبدو بلينكن قلق ومضطرب عندما يستغرب تركيز الإحتجاج الشبابي ضد إسرائيل!
ما يجري في الجامعات الأميركية حدث أبرز وحدة بين الطلاب والأساتذة، هو نتيجة لمناخ الحرية، مناخ التشجيع على الفكر النقدي، وحماية حرية الإختلاف وقبول الرأي الآخر دون قيود، كما لأهمية دور الجامعات في إطلاق مناخ البحث العلمي الجدي الذي يقوم به الطلاب..لكل ذلك لم يقتصر هدف الإعتصامات والتظاهرات، التي إستقطبت مناخاً أميركياً من خارج الجامعات، على الإلحاح على إدانة حرب التوحش على غزة والمطالبة بوقفها، وإدانة الدعم الأميركي لها، بل إنه إلى جانب الدعم الواسع لمطلب الشعب الفلسطيني بحقه بدولة مستقلة، فإن مطلباً بالغ الأهمية رفعته الإنتفاضة ويتمثل بالدعوة إلى وقف إستثمار الجامعات الأميركية بإسرائيل وإنهاء العلاقات الأكاديمية معها.. وبالتأكيد إن تحقق أي خطوة بهذا الإتجاه سيترك آثاراً مدمرة على دولة العدو التي تفاخر بجامعاتها ومراكز أبحاثها ونتاجها الفكري والعلمي والبحثي المتقدم!
حتى الآن أكثر من 550 موقوفاً من طلبة وأساتذة جامعات أميركا، وتطوع للدفاع عنهم ألوف المحامين وبدأ الزخم يمتد إلى الخارج إلى باريس وسدني وغيرهما.. لكن ركوداً مخيفاً يسود جامعات العالم العربي، التي يهيمن عليها حالة تساكن مع التسلط والإستبداد، وأكثرها جامعات تلقين برامج بالية، وبينها دكاكين تعليم توزع شهادات مدفوعة الهدف منها أن يتبوأ حاملها الأمي أعلى المناصب.
تذكروا “مآثر” بعض دكاكين الشهادات في لبنان التي يتم توزيع رخص إنشائها على متزعمي طوائف وأثرياء حرب أهلية، وتذكروا أن “جامعة” لبنانية زورت نحو 27 ألف شهادة عليا لعراقيين مقابل أموال رشوة طائلة، تسلم بعض هؤلاء أبرز المواقع لإدارة الدولة العراقية، فضيحة تضغط على الوضع العراقي وتشده إلى تحت، وفي لبنان تستمر تلك “الجامعة” وكأن شيئاً لم يكن فهي تحوز على أكبر غطاء سياسي!