أمام الأهوال التي يواجهها الآن أهل غزة هناك الكثير من الأسئلة، وهناك الكثير من الوقائع، التي لا يجوز إغفالها، خصوصاً وأن نتياهو وعد بخارطة جديدة للمنطقة، بعدما إندفعت الأحداث إلى الحد الأقصى، حد إعتزام إسرائيل تصفية القضية الفلسطينية متسلحة بتأييد غربي كاسح عنوانه من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها، في إسقاطٍ متعمد لتاريخ من الإجرام الصهيوني!
بعد الإبتعاد قليلاً عن الإنبهار الذي أحدثه “طوفان الأقصى” وهو إنبهار مدوٍ لأن الحدث كان إستثنائياً وخارج المألوف، ألم تضع حماس في الحسبان ماذا يمكن أن تكون عليه ردة الفعل الصهيونية؟ ألم يكن من واجبها إعطاء أولوية لإحتياجات المواجهة الآتية؟ وألم يكن من الأولويات تقديم هم حماية الأرواح؟
منذ العام 2007 سيطرت حماس على غزة، بعد أكبر عملية عسكرية أدت إلى هزيمة دموية لفتح في القطاع وتهجير قياداتها وكادراتها التي نجت من المذبحة المروعة، فأدى ذلك إلى إضعاف منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية. ورغم شعارات تبنتها حماس لجهة تحرير الأرض، نسجت علاقات هي الأوثق مع الجانب الإسرائيلي، وبالأخص نتنياهو الذي ترأس ست حكومات إسرائيلية، وإستثمر في حماس لإنجاز الإنقلاب على أوسلو وحل الدولتين.
نفتح مزدوجين للقول أنه منذ قتل إسحاق رابين ، سعى أرييل شارون ومن بعده نتنياهو إلى إنهاء أوسلو بقضم الأرض وتقزيم حقوق الفلسطينيين وتهميش السلطة الفلسطينية. هذه السياسة لم تعكر صفو العلاقات مع إسلاميي غزة رغم خوض سلسة معارك ضد إسرائيل، لم ترفع خلالها تل أبيب شعار تصفية البنية العسكرية للحركة. الدعم المالي القطري خصوصاً، كان يصل بالحقائب إلى مكتب نتنياهو ومن هناك يرسل إلى غزة، وفي ظلِّ رئاسة الإسلامي محمد مرسي لمصر عرض هذا الأخير للتوسط بين غزة تل أبيب، وهو الذي قدم إقتراحاً بضم مساحة من سيناء لتوسيع رقعة غزة، لكن هذا العرض السخي طوي مع سقوط مرسي وتسلم الجيش المصري مقاليد السلطة، واليوم أعادت مصر التأكيد على رفضه.
منذ مرحلة شارون ساد مناخ في إسرائيل عنوانه التخلص من فلسطين، من الهوية والكيان وعادت نغمة دولة واحدة بين النهر والبحر! وضمت حكومة التطرف الصهيوني الراهنة الكثير من الوجوه التي تراهن على “الترانسفير” كوصفة مفضلة لما يريدونه! هنا واضح أن نتنياهو لا يقل إجراماً عن بن غفير وسموتريش!
التهجير الجماعي من شمال غزة ووسطها مقدمة ل”ترانسفير” كبير يعادل نكبة العام 1948. ولننتبه جيدا إرتفعت اليوم أصوات في مجلس النواب الأميركي تدعو لتوزيع الفلسطينيين على الدول العربية. مثل هذا الخطر لا ينبغي أن تغفل عنه أي جهة تعمل بالسياسة، ونتحدث عن جهات فلسطينية هي في قلب النار. كان ينبغي أن تترافق عملية “طوفان الأقصى” الباهرة التي تطلب التحضير لها أكثر من سنة، وستبقى طويلاً في الذاكرة الصهيونية، بإجراءات مثل تخزين المواد الغذائية والمياه والوقود والأدوية خصوصاً وتمنح أولوية لبناء التحصينات والملاجيء وكل ما يمكن أن يخفف من وطأة الخسائر البشرية..فلم يحدث من ذلك أي شيء، بل تم تجاهل هذه المتطلبات منذ 16 سنة تسلطت فيها حماس على حياة الغزاوين، الأمر الذي يضع حياة الناس في أدنى مرتبة من الإهتمام!
يطول الحديث لكن الأكيد أنه مع وجود كل هذه “الأرمادا” الأميركية والتحرك الأوروبي ووو..سقط عنوان “وحدة الساحات” وسقط معه شعار تدمير إسرائيل في 7 دقائق ونصف! لكن يبقى الرهان لإحباط “الترانسفير” متوقف إلى حدٍ بعيد على بسالة المتحصنين في الأنفاق وقدرتهم على فرض حرب طويلة على إسرائيل التي تستعد لبدء غزوٍ بري لشمال قطاع غزة.. وتكبيدها خسائر بشرية. مع العلم أن سيمون هيرش ( الصحفي الإستقصائي الأميركي الذي أنجز أفلاماً وثائقية لافتة) كشف هذا الصباح أن تل ابيب ستستخدم قبل الهجوم قنابل الأعماق(جدام) التي تخترق الأرض لمسافة 30 مترا وتزلزلها فتدمر الأنفاق!
وبعد، مع الوضوح في دور النظام الإيراني الذي يستثمر في الدماء الفلسطينية ويشتري ويبيع في الغزاويين، هل الفرصة ما زالت متاحة لتحييد لبنان وعدم الإنزلاق وتحميل اللبنانيين ما لاقدرة لهم على تحمله، خصوصاً أن ذلك لن يبدل في الواقع الفلسطيني؟ رغم وضوح الصورة، ورغم إتساع الرفض الشعبي لأي إنزلاق، وخصوصاً رفض أبناء الجنوب، وهذا يعرفه جيداً حزب الله ويدرك أبعاده، فإن الوضع الميداني في المنطقة الحدودية يندفع إلى وضع أشبه بمقدمات الإنفجار الكبير. مقلقة الإشتباكات المتدحرجة بين حزب الله وإسرائيل، ومقلق ترك الباب مفتوحاً أمام حماس والجهاد لتنفيذ عمليات من لبنان، من منطقة هي تحت سيطرة حزب الله وإمرته.. ومقلق جداً أن يستبيح اللهيان لبنان للتحدث من بيروت نيابة عن “المقاومة” وليس باسم حكومته وبلده، وبالمقابل تعتصم حكومة ميقاتي بالصمت وتتجاهل التحدي الصارخ، فيتساع القلق مع إنعدام أي إجراء أو خطة أو رؤية تحمي الناس من جانب الممسكين بالقرار!