1. Home
  2. زوايا
  3. “رجل من أرق” لنبيل مملوك : جراح حائرة على سرير دعارة نفسيّة
“رجل من أرق” لنبيل مملوك : جراح حائرة على سرير دعارة نفسيّة

“رجل من أرق” لنبيل مملوك : جراح حائرة على سرير دعارة نفسيّة

90
0

عمر سعيد – من عادتي إذا قرأت أن أصغي جيّدًا لصوت الكاتب، فأحرص بذلك على فهم رسالته.
رواية رجل من أرق لنبيل مملوك، الصّادرة عن زمكان عام ٢٠٢٣، غاب عنها الصّوت الّذي ألفناه في حياتنا اللّبنانيّة، أيّام شهدنا أماسٍ وسهرات، جمعتنا من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه مع كثير من زوّارنا العرب وغيرهم.
كان ذلك الصّوت أيّامها يعكس طيبة، وضحك وزغاريد الألفة، والتّواصل العفيف بين مكوّنات المجتمع.
غاب ذلك كلّه، وحلّ محلّه صوت داخلي، يعكس الانطواء والضّيق والانشغال بتفاصيل النّفس المأزومة الّتي قهرت معظم اللّبنانيين، بما تراكم فيها من تداخل بين أزمات شخصّية وأزمات السّلطة في لبنان والمنطقة من حولنا.

صوت أفرد له نبيل مملوك معظم فصول روايته، ليترك للقارىء فرصة وضع أكثر من علامة استفهام على تلخيصه بثلاثة نماذج هي:

  • حاكم دكتاتور
  • أمّ عصبيّة غضوب تمارس أقسى أنواع التّسلط
  • جدّ سفّاح يطعم بناته وأبناءه لغضبه إذا ما اشتعل.
    والقاسم المشترك بين هذه النّماذج هو المشروع، دون أن يتناول نبيل في روايته أيًّا من مشاريع هذه النماذج، ويقصر عمله على ما نتج عن تلك المشاريع في النّفس الّتي فُرِضت عليها.

تتقاسم تلك النّماذج سرديّة وحكايا تتوزّع على ثلاثة أماكن تمثّل بجملتها جغرافيا النّص:

  • سرير المعالجة النّفسية الّذي يفجّر نادر أو سامي صوته الدّاخلي فوقه، إثر نصيحة زملاء له في العمل بعد أن ضاقوا ذرعًا بتصرفاته المضطّربة، الّتي بلغت حدّ صفع زميلته في العمل.
  • مكتب في مؤسّسة الحج أبي هاني حطّاب لبيع الأقمشة، مكان جلس ولده هاني، شقيق نورا التي تعالج نادر أو سامي نفسيًّا، ليقرأ رسالة، تركها الأب المتسلّط له بعد موته، يكشف فيها عن حقيقة جده الّذي كان يئد بناته بلا ذنب، ويطعم أولاده المخطئين للكلاب والانتحار والموت، وعن عمله في تجارة المخدرات قبل أن ينكفىء عنها لتجارة الأقمشة.
  • ومشفى يغادره القارىء ليلاحق تطور الأحداث الّتي تدخل كلّ من نادر أو سامي، وهاني إليه إثر انفجار المرفأ، ونورا الّتي يعثر عليه قتيلة أمام مدخل العمارة الّتي يقع فيها مكتبها، وباقي شخوص الرّواية في محيطه.

رجل من أرق رواية بوليسيّة تحفر في مثالب الموروثات النّفسية لغالبية الشّخصيّات الّتي يعايشها القارىء:

  • الطّفل نادر الّذي يحلف على القرآن كذبًا إثر تزويره درجة اختباره من شدّة الخوف من أمّه المتسلّطة، ثمّ يكتشف أنّ أمّه وأباه من أخطر الكذّابين، الّذين يديرون شبكة لصناعة الأفلام الإباحية والقتل، شبكة بطلتها الرّئيسيّة نورا المعالجة النّفسية والممرّضة ساندرا التي تتباع سامي أو نادر في المشفى.
  • الدّكتورة نورا المتمرّدة على ورع أبيها وتقواه الحج عبدالرحمن والد هاني حطّاب، والتي تكتشف أنّها بطلة أفلام إباحيّة مثّلتها في مقر عيادته، بعد أن انزلقت إليها بردود فعلها غير المحدودة ضد مضايقات أبيها الحج. تاجر الأقمشة الّذي صرخ في رأس ولده هاني ودواخله برسالته ودفتر مذكّراته إنه تاجر مخدّرات سابق.
  • رجال أمن يعكسون بحواراتهم بين بعضهم البعض، ومع من يتابعونهم من متّهمين مقدار الانحطاط الّذي تعاني منه المؤسّسة الحكوميّة في بلد يتقاسم السّلطة فيه الفاسدون سياسيّاً مع مافيات المال والسّلاح والممنوعات.
    رواية تعكس للقارىء كيف تنتج قيم الآباء أبناءهم، ليتبيّن أنّ المشكلة ليست مشكلة صراع أجيال، بل أزمة انهيار منظومة قيم، وتوسّع نشاط المفسدين في كلّ مفاصل المجتمع اللّبناني، ليطال أجهزة أمنيّة، وسياسيّة، وإدارية، والأسرة اللبنانية بشكل عميق، فتكون النّتيجة الطّبيعيّة لهذا الانهيار انفجار مرفأ بيروت.

سرديّة يقدّمها نبيل بلغة تقافزت بين الشّاعريّة والسّوقية، لنكتشف انقسامًا عاموديًّا في اللّغة بين شخصيّات الرّواية يمثّل شطره الأوّل نادر أو سامي ونورا كمثقفين، أحدهما متخصّص في النّقد والآخر في العلاج النّفسي، والثّاني رجال الأمن وحارس العمارة، الذين يمثلون لغة السّوق والشّارع اليومية.
لغة أتت جملها سلسة قصيرة، تخدم طبيعة النّصّ البوليسيّة، وهذا ما غلّب فيها الصّوت الدّاخلي المنغلق صوب المتحدّث في معظم فصول الرّواية.

رجل من أرق رواية بوليسيّة بملامح دراما تلفزيونيّة، تضمّنت تقنيّات الانتقال السّريع، الّذي تتقنه عين المخرج من مكان لآخر، ومن زمن نفسي إلى زمن ثقافي أو اجتماعي أو بوليسي، بقفزات تجعل القارىء يعي لمَ استأثرت الحبكة البوليسية بخاتمة الرّواية؟! إذ تقتل نورا، وهاني حطّاب، والمحقّق، وتتكشّف لنادر أو سامي حقيقة أسرته وأعملها، الّتي استمرّت بفضل ما هي عليه من نفوذ وقوّة.
بقي أن أشير إلى العنوان الّذي تمنّيت لو أنّ نبيل أولاه اهتمامًا أكبر، خاصّة وأنّ الرّواية تنفتح على كثير من العناوين الّتي كانت ستشكل للرّواية أضافة ممهمّة، فقد بدا أنّ الأرق أرهق فيها كلّ شخصيّاته بدءًا من نادر أوسامي مرورًا بأبيه وأًمّه فهاني والحجّ عبدالرّحمن وأليزابيث الجاسوسة الّتي تعمل مع قوّات الطّوارىء، وقد أرّقت هاني الّذي ظلّ يشتهيها جنسيًّا، وصولًا إلى نورا المعالجة النّفسية الّتي ظننت كقارىء؛ أنّها ستكون بمنأى عن ذلك، لأتبين أنّها كانت ضحية كباقي شخوص رجل من أرق.

*روائي لبناني