لا أعرف زكريّا محمّد ولم أحتك به سوى مرّة واحدة حين زوّدني بنسخ شعريّة رقميّة مخصّصة للنقّاد والصحافيين من مجموعاته #الشعريّة الثلاث الأخيرة، ومن هنا بدأت مصافحات قرائيّة بيني وبين شذرات شعريّة نشرت له هنا وهناك لتتوطد بها علاقتي الشعريّة به كقارئ لمجموعته زراوند ( ط.1. 2020 ) ويبدو أن الموت قد استعار منّا العم زكريّا قبل أن أحادث عنها وحولها.
في هذه المجموعة تحديدًا لم يكن زكريّا محمّد (1950-2023 ) مجرّد شاعر مخضرم عاصر أمجد ناصر ومحمود درويش وغسّان زقطان ومعين بسيسو وسميح القاسم وطبعًا عز الدين المناصرة، وإلتقى مع بعضهم في بيروت وافترق مع سواهم في عدّة مدن شعريّة وكتابيّة، بل تجاوز بأسلوبه السرديّ التصويري المتأصّل من مدرسة ت.س.إليوت شاعر بريطانيا والحداثة الأوروبيّة الأنجلوسكسونيّة، فتراه قاصًّا يتكلّم على الطبيعة “الخيط في الكفّ، والذكرى امرأة صامتة في البستان”.
المسألة ليست مجرّد صورة وترقّب بريق الكاميرا التي تلتقطها عند آخر سطر بل هي بداية قصّة أو ربّما قصّة قصيرة جدًّا قد تكون مكتملة أو غير مكتملة خاصّة وأن الإجابات الجاهزة في الشعر مرضٌ يجعل النسق الكلامي مجرّد نسق معياريّ تواصلي مزخرف مفرغ من فنيّته وأبعادها.
وعلاقة زكريا بالمعنى علاقة واضحة ظاهرة في زراوند تحديدًا حين يصارح الموت والموتى “ليس للزمن أحبّة أيضًا. لذا فأنا مرغم على أن أكون حبيب الذين مضوا. حبيب شظاياهم.”(ص.53) ما ينسجم مع ما كتبه خلال الأيّام الثلاثة الأخيرة من حياته “قطعت علاقتي بالصيف نهائياً. لا أريد فواكهه جميعاً. لا أريد فواكه هذا الجحيم.
حين يأتي في العام القادم سأحمل حقيبتي وأرحل إلى بلاد الشتاء والثلوج.”(فايسبوك- حساب زكريّا محمّد الرسميّ).
والحقّ أن التساؤل حول رحيل الشعراء في فصل الصيف مشروع ووارد خصوصًا وأنّ أغلبهم يهرب من حرّ الحاضر إلى برودة اللازمن في قصائدهم ومنهم “العم زكريّا” كما أحب أنا ومجموعة من أصدقائه مناداته…” عبرتُ أمس حافيًا حقل الشوفان البريّ عند الفجر، فأغرق الندى قدمي. وكان هذا كافيًا كي أمحوكِ وأمحو ذكراكِ”. (زراوند ص.10) دائمًا الزمن المروي بصيغته الحاضرة الفائتة يشكّل جرحًا لديه ورغبة بالهروب…
ولم تكن تجربة زكريّا محّمد إذا أردنا تحريرها من أي إصدار والنّظر إليها من بعد أيضًا مجرّد محاكاة فنيّة للقارئ أو للحداثة والتجديد بل قضيّة ومحاولة اكتشاف تجعل الكتابة رحلة استكشاف سندبادية.
فلا الكتابة رغم التوتر التي تطرحه تستحقّ الحصر ولا الكاتب مهما كان المجال الذي ينضوي تحت كنفه يستحقّ القيد…وهذا ما يسوّغ جنوح الشاعر الفلسطيني الراحل نحو النثر وقصيدته وقصديّته المليئة بالألغام والسلاسل…
يبقى زكريّا محمّد بعد رحيله المفاجئ وعلى قاب قوسين أو أدنى من ذكرى رحيل محمود درويش، القصيدة التي تنتظرها المستقبل وفقًا لعبّاس بيضون …والقصيدة التي تتنشّق من خلالها رائحة البرتقال دون أن ترى لفظتها وسلوك اليعسوب وحركته، وقصص الزرع في بلد يرزح تحت بارود الصهيونيّة… وطبعًا يرشح من أسطره الألم المعزوف بغير إطار خصوصًا وأن المعتقلات حفظت إيقاع جسده السبعيني الحرّ ولم تغب عن ظلمتها أسطره التي يهمها دائمًا تجاوز الأسوار… بأحرف تدرس خطواتها القليلة… إلى اللقاء يا عمّ زكريا سنفتح يوميًّا دفاتر البرتقال ونرسم بفيتامينها يقظة الجليل الحرّ رغم كلّ السلاسل…رغم كلّ التناسي…
سلّم على أمجد ناصر…على أبي عمّار وأخبرونا أين هي صورة العالم الحقيقيّة.
المصدر: النهار