إنها ساعات على قمة اللامسؤولية والسقوط الأخلاقي والوطني، الذي طبع أداء منظومة النيترات المتسلطة التي إلتأمت في السراي بكل أطرافها، وتوافقت على إبقاء رياض سلامة في منصبه مستخدمة ذرائع واهية، قافزة فوق أبعاد المشهد المقزز: صورة حاكم البنك المركزي تتصدر النشرة الحمراء للإنتربول والتي تضم كبار الجرمين الدوليين! قلنا إنها سعات حتى أصدر مدعي عام ميونيخ مذكرة توقيف بحق سلامة بتهم “فسادٍ وتزوير وتأليف عصابة أشرار لتبييض الأموال والإختلاس”! وفي هذا التوقيت أعلنت الخارجية الأميركية عن إستغرابها لموقف السلطة السياسية، وقالت إن “على الحكومة اللبنانيةإحترام العملية القائمة لتعيين حاكمٍ جديد لمصرف لبنان”!
وما زلنا في بداية الطريق، يتحدث القضاء الألماني عن أموال تقدر بأكثر من 500 مليون دولار متهم سلامة بتييض جزء منها وإرتكاب جرائم مالية في ألمانيا، فمن المؤكد أن الصورة الكاملة عن حجم الأموال المنهوبة المتهم بها سلامة وعصابته ستكون أوضح بعد صدور بقية مذكرات التوقيف المتوقعة من بلجيكا وسويسرا واللوكسمبرغ وموناكو وليخشنشتان..
في عودة إلى إجتماع السراي، كان إلى جانب ميقاتي فرقاء يمثلون بري وحزب الله وفرنجية وجنبلاط والتيار العوني، فاجمعوا على بقاء رياض المدة المتبقية وهي بحدود 40 يوم عمل! وزير المال ممثل رئيس البرلمان الحامي الأول للحاكم افاض بتقديم الذرائع لمنع الإقالة ومنع كف يد الحاكم، ولم يكن الحضور بحاجة لكل تلك الشروحات فوافقوا، ليتم الإيعاز للقضاء بأن يستدعي سلامة، بعدما كان متعذراً العثور عليه(..) فيتم إثر إستجوابه تركه بسند إقامة وإعلان حجز جواز سفره ومنعه من السفر ( ليش لوين بعد في يسافر) ومن ثم مطالبة القضاء الأوروبي تسليم نسخة عن ملف التحقيقات ليصار إلى ملاحقته ومحاكمته في لبنان(..)، ليبدأ بعد ذلك الفيلم القضائي الذي سيتضمن توليفة تبرئة فاسد البنك المركزي، ليس حماية له وحسب، بقدر ما الهدف منع محاكمة ستطال كل المنظومة السياسية، أطراف نظام المحاصصة الغنائمي!
كل ذلك لن يحمي أركان النادي المالي الذين نهبوا الودائع، فتتوالى طلبات القضاء الأوروبي رفع السرية المصرفية عن مئات الحسابات، التي يجري ملاحقة أصحابها بجرائم تبييض الأموال، وكشف عناوين ومعالم السياسة التي إتبعت لتخيم الدين العام الذي أدى إلى تضخم في العمولات، بدليل أن عملات “فوري” المعروفة بين 2001 و2015 بلغت 330 مليون دولار!
وهم يجهدون لتركيب توليفة براءة لرياض سلامة حماية لمواقعهم وأدوارهم كناهبين، وتكون منطلقاً للعفو عن الجرائم المالية، لإغن العالم لا ينتظر نتائج السقوط الأخلاقي والوطني للمتسلطين، فها هي البنوك المراسلة تعمد تباعاً إلى وقف التعامل مع البنوك التجارية اللبنانية، ما سيفضي إلى وقف كل التحويلات وتالياً وقف الإستيراد!
غير أن ما ينتظر القطاع المالي والإقتصاد اللبناني عموماً أفدح وأخطر، ففي الأفق إحتمال كبير بتصنيف لبنان في “القائمة الرمادية”. هذا المعطى تسرب من “مجموعة العمل المالية الدولية”، ونسبته “رويترز” إلى 3 مصادر مطلعة عزت السبب الذي سيفرضه يعود إلى إقتصاد “الكاش” والممارسات غير المرضية لمنع غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهذا الأمر سيزيد من كلفة التحويلات إلى لبنان وتأخر تنفيذها لأنها ستتعرض للكثير من الإستفسارات والتدقيق، ووصولاً إلى المخاطر المتأتية عن التعميم 165 الذي سيوضع في التنفيذ قريباً وهو الذي يسمح بفتح الحسابات المصرفية لأموال مجهولة المصدر!
هذا المنحى قاتل ومدمر، فخطر تصنيف لبنان على “القائمة الرمادية” سيفتح الطريق سريعاً لتصنيفه على “القائمة السوداء” ما يعني عزله تماماً عن النظام المالي العالمي! ووسط تمدد لعنة السطو على ودائع المواطنين وإندفاع المجلس النيابي نحو فرض عفو على الجرائم المالية، أقرت اللجان النيابية المشتركة يوم أمس السماح لمصرف لبنان بطباعة فئات جديدة من الاوراق النقدية أي المقصود الآن ورقة ال500 ألف ليرة وورقة المليون، لتستكمل هذه الخطوة الخطيرة منحى مفاقمة التضخم بمعدلات ستسحق الأجور ليزداد عدد اللبنانيين ممن هم تحت خط الفقر!