أُنجز في الخامس عشر من أيار الماضي الاستحقاق الانتخابي الذي أفضى عنه برلماناً جديداً قام في الواحد والثلاثين من الشهر ذاته بإعادة انتخاب الرئيس نبيه برّي رئيساً لمجلس النواب وذلك للمرّة السابعة على التوالي. ومع تجاوز هذين الاستحقاقين الكبيرين وبعد مرور شهر كامل على إتمام العمليّة الانتخابية ، صدر عن الرئاسة اللبنانية بياناً متعلّقاً بانتخاب رئيس وزراء جديد للبلاد جاء فيه: يُجـري فخامـة رئيس الجمهوريـة العمـاد ميشال عون، الاستشارات النيابية لتسمية الرئيس المكلّف بتشكيـل الحكومة الجديدة، يوم الخميس الـواقع فيه 23 حزيران 2022، في القصر الجمهوري في بعبـدا.
وعلى وقع تقاذف السجالات على الجبهة السياسية بين الأفرقاء المتصارعة، تتّجه الأنظار نحو مصير يوم التكليف حيث يبقى الغموض سيّد الموقف. فحتى اليوم لا يوجد توافق حاسم حول أي شخصيّة محدّدة وما تزال الضبابيّة تحوم حول إسم الرئيس المنوي تكليفه باستثناء بعض التوقعات التي تشير إلى إمكانية عودة رئيس حكومة تصريف الأعمال الحالي نجيب ميقاتي إلى ترأس الحكومة المنتظرة. وعلى الرغم من أسهم ميقاتي المرتفعة وحظوظه الوفيرة إلاّ أنّه لا يحظى بتوافق كليّ ودعم شامل، الأمر الذي يُثير الخشية من عودة سيناريو تأجيل الاستشارات في اللحظات الأخيرة في حال عدم النجاح في الإتفاق على تسمية رئيس قبل الوصول إلى الخميس المقبل.
ومع صدور دخان التكليف، يُواجه المجلس النيابي المُنتخب إمتحاناً صعباً عنوانه تسمية رئيس للحكومة الجديدة. فالمجلس الذي ينتظره إقرار قوانين ومشاريع إصلاحية اقتصادية ومالية ونقدية أبرزها إقرار الموازنة العامة، وقانون الكابيتال كونترول وتعديل قانون السرية المصرفية وإعادة هيكلة المصارف وإصلاح الكهرباء والقطاع المالي والمصرفي وغيرها، يتوجّب عليه إنجاز هذه المهمّة الشائكة وعدم السماح بعرقلتها؛ لكن هذا لا يُشير إلى أنّ الطريق سوف تكون سالكة ومعبّدةً أمام مسار التأليف. فتجارب السنوات الماضية أثبتت أنّ المأزق لا يكمن في التكليف، وهو إن كُتب له النجاح في تخطي عقبة التسمية، سوف يرتطم في حائط التأليف المستعصي والمتزامن مع تفاقم حدّة المناكفات والتجاذبات السياسية التي من شأنها أن تحول دون عدم القدرة على تشكيل حكومة قبل قدوم موعد الاستحقاق الرئاسي الحاسم، أي مراوحة الوضع السوداوي مكانه والإبقاء على حكومة تصريف الأعمال وبالتالي الوقوع مجدّداَ في فراغ حكومي قد يؤدي إلي شغور رئاسيّ لاحق.
وهذا ما عكسته مؤخراً مخاوف “بنك أوف أميركا” الذي تحّدث عن خطر حصول فراغ مؤسساتي في لبنان في النصف الثاني من العام 2022، الأمر الذي قد يعوق أو يُسقط الاصلاحات الاقتصادية المطلوبة من صندوق النقد الدولي. مشيراً إلى أنّ توصّل بعثة خبراء الصندوق في نيسان الماضي الى إبرام اتفاق أولي مع لبنان على 3 مليارات دولار لأربع سنوات، هو أمر ايحابي. لكن تنفيذ الاصلاحات يُعتبر تحدّياً كبيراً نتيجة سجل الاصلاح الفقير وعدم اتخاذ أي اجراء منذ أكثر من عامين، مع التشديد على أنّ تحقيق الإصلاح الكامل من شأنه أن يدعم الانتعاش التحوّلي.
إذاً، أيام قليلة تفصل لبنان عن عمليّة التكليف التي يُمكن أن تشكّل فرصة من أجل الشروع في تأليف حكومة جديدة قادرة على إنجاز الاستحقاق الرئاسي المفصلي وفتح الباب أمام مواجهة الأزمات وإدارتها ومعالجة هموم اللبنانيين والتوصل إلى إبرام إتفاق مع صندوق النقد الدولي من أجل وضع البلاد على سكّة النهوض والتعافي. إذ أنّ أي تأخير أو فشل في الإتفاق على تشكيل الحكومة يعني استمرار هدر الفرص وتمرير الوقت الضائع ودفع لبنان إلى عمق المجهول وإلى مزيد من الفوضى والانهيار والتفلت حتى نهاية تشرين الأوّل المقبل موعد انتخاب رئيس للجمهورية مع ما يرافق هذا الاستحقاق من صراعات وتحذيرات وهواجس.