1. Home
  2. لبنان
  3. رحلةُ الموتِ
رحلةُ الموتِ

رحلةُ الموتِ

75
0

المهندس والكاتب عزَّام حدبا من كتاب الانهيار
قد تسألني يا نديم لم خرجْت في رحلةِ الموتِ هذه؟؟.. لم أخرجْ كي أكونَ مثلكَ.. ليس معي شهاداتٌ ولا يوجد بلدٌ فتح ذراعيْهِ لاستقبالي.. أنتَ سافرتَ منذ أربعين عامًا.. في منتصفِ الحربِ الأهليَّة.. فررتَ منْ عنفها.. أمّا أنا فلم أفرَّ منَ الحرب بل منَ اليأسِ.. لا أحد يضعُ أطفاله في قاربِ الموت إلَّا إذا كان البحرُ أكثر أمانًا منَ الوطنِ يا نديم..
لا شيء في هذا البلد يشجِّعُ على البقاءِ.. لا فرصَ عملٍ.. لا مصانعَ.. لا إنتاجَ.. لا نظامَ.. لا مؤسَّسات.. لا بُنى تحتيَّة.. لا عنايةً صحيَّة.. لا احترامَ لكرامةِ الانسان.. لا شيء.. كيف لي ألَّا أفكِّر بالسَّفر والحال هكذا؟؟ أنا أثق أنَّ كلَّ النَّاس يخطّطون للسَّفر مثلي.. كلّ ما في الأمر أنَّني كنت أكثر جرأة منهم.. سبقتهم.. فاضَ بي الكيل.. وصلتُ للقشَّة الَّتي قصمَت ظهر البعير قبلهم.. أمَّا هم فما زالوا يبحثون عنِ الإبرة في كومةِ القشِّ..

وحدهم الزُّعماء يثيرون استغرابي.. لماذا يبقون هنا؟؟ مَن يملك هذه الأموال الطَّائلة لماذا يتعبُ نفسَه في البقاء؟؟ سألتُ صديقي هذا السؤال فقال لي مبتسمًا وكأنَّه اكتشف كنزًا.. إنَّها السُّلطة.. السُّلطة الَّتي أغرتْ “هتلر وستالين وموسولوني وماوتسي تونغ” مِنْ قبل.. لم أعترضْ على كلامِه ولم أناقشْه.. لكنْ حين أقارنُ بين صورِ زعمائنا وصورِ مَن ذكرهم، كما كنتُ أراها في كتبِ التَّاريخِ والأفلامِ الوثائقيَّةِ، كنتُ أجد فارقًا شاسعًا.. فهؤلاء تمتَّعوا بسلطةٍ مطلقةٍ على دولٍ كبرى، لكنْ في هذا البلد هل توجد مراكز نفوذٍ تستحقُّ التَّنافس عليها؟ إنَّه بلدٌ متعَبٌ يا نديم.. متعَبٌ ومتعِبٌ..

تسألني عنِ السَّبب الرَّئيسيِّ؟؟ حسنًا إنَّه ابني الصَّغير.. الطِّفل المشاغب أمجد ذي الثلاث سنواتٍ.. كان يلحُّ عليَّ شراء كيس بطاطا وعلبة عصيرٍ، ولم أكن قادرًا على شرائها له.. باعَت زوجتي كلَّ الذَّهبِ، وبعتُ كلَّ أثاث المنزلِ، واستدنتُ مِن عمِّي مليونَ ليرةٍ كي أستطيعَ الوصول إلى قبرص.. كنتُ أعرف أنَّ قبرص ليست بالجنَّة الموعودة.. لكنيّ كنت أتأمَّل أن تكونَ أكثرَ حفاوةً بي مِن هذا البلد التَّعيس.. تقاضى الوسيط عادل منِّي سبعةَ ملايينَ ليرةٍ لتأمينِ سَفري إلى هناك عبر مركبٍ مجهّزٍ، وسمعتُ مِن ركَّاب العبَّارة أنَّه تقاضى منهم المثل.. لكنّي أشكُّ أنَّه تقاضى مِن جارنا طارق مبلغًا أقلّ، فقد كان يتلعثَم كلَّما سأله أحدٌ عن الموضوعِ، ولكن هذا لم يعدْ مهمًّا يا نديم، غرقَ طارقٌ في البحر وغرق سرُّه معه.
أخذَ عادل منَّا كلَّ أمتعتنا وطعامنا وحليب الأطفالِ.. ووعدَنا أن يسلِّمَهم لنا في عرضِ البحر، وهذا ما لم يحدث.. بقينا أسبوعًا كاملًا بدونِ طعامٍ أو شرابٍ.. كان أمجد يرضعَ مِن أمِّه رغم أنَّها فطمته منذ سنةٍ.. لكنْ أنَّى للحليب أن يكفيَ طفلًا بعمره؟؟ كان يحتاجُ إلى الماءِ.. لم أجدْ إلَّا مياه البحر كي أسقيَها له.. لكَ أن تتخيَّلَ كيف كان يحضنُ قنّينةَ المياهِ بشغفٍ، مع أنَّها كانت مالحةً، قاتلةً ومميتةً.. لم يصمدْ أمجد أكثر منْ يومٍ واحدٍ.. ماتَ في اليوم التَّالي.. وبعد أربعةِ ايَّام انتفخَت جثَّته فطلب منِّي الرُّكَّاب أن أرميَه في البحرِ كي أحتفظَ عنه بصورةٍ جيِّدةٍ في ذاكرتي.. لم يكنْ الخيارُ سهلًا.. لكنّي حملته في النِّهاية وسبحتُ به إلى منتصفِ البحرِ ووضعته هناكَ.. دفنتُه في البحرِ يا نديم..

وغرقَ القاربُ.. لم يصطدمْ بجبل ثلج ٍكما نرى في الأفلامِ، إنَّما تسرَّبَتْ إليه المياهُ ولم يعدْ يتحمَّل ثقلنا.. ثقلاءُ نحن أينَما ذهبْنا.. ثقلاءُ على الوطنِ.. على المركبِ.. على غربةٍ لا تريد أنْ تستقبلَنا.. ثقلاءُ على الحياة نفسِها.. بقيتُ في الماءِ مستيقظًا ثلاثةَ أيَّامٍ.. يدي بيدِ زوجتي الَّتي صمدَتْ يومًا واحدًا قبل أن تجرفهَا الأمواج بعيدًا عنّي.. لم أستطعِ النَّومَ ولا للحظةٍ.. وكيف أنامُ والسَّمك يأكل منّي وقناديل البحر تلسعُني.. تخيَّل يا نديم.. توافرتِ الكهرباء في البحر أكثرَ ممَّا توافرتْ في مدينتنا الغارقةِ في الظلمةِ والبؤسِ.. وفي النِّهاية جاءَتْ تلك السَّفينةُ وأنقذتْني.. لأعودَ الى هنا.. إلى البؤس الَّذي فررتُ منه.. كلَّما أهربُ منه يلاحقُني..

تفاجئت حينما عدتُ أنَّني أصبحتُ مشهورًا.. لا أقصد أنَّني مشهور بالاسم.. لا أحد يعرف اسمي.. أصبحتُ مشهورَا بلقبي لا باسمي.. سمَّتني الصَّحافةُ “النَّاجي” فقد كنتُ النَّاجي الوحيدَ مِن رحلةِ الموتِ.. حاولتُ كثيرًا أن أقنعَ عمّي أنَّ استقبالَ رجال الصَّحافة وشهرتي- المؤقَّتة- على مواقعِ التَّواصلِ لم تجعلْني ثريًّا، لكنَّه رفضَ أنْ يصدِّقَ وأصرَّ أنْ أعيدَ له المليون الَّذي استدنتُه منه.. وأقسمَ لي أنَّه يعمل بنصفِ معاشٍ في مصنع الموبيليا منذ بدءِ موسم الكورونا..
في اليوم التَّالي لوصولي، بدأ رفاقُ الرِّحلةِ يعودون تباعًا.. شعرتُ لوهلةٍ أنَّهم يعودون بنفسِ التَّرتيبِ الَّذي غرقوا به.. جثثًا منتفخةً بالطَّبع.. وكان أوَّلهم طارق الَّذي أخبرتكَ عنه.. تفاجأتُ مِن كميَّة التَّكريم والمحبَّة الَّتي نالَها منَ النَّاس.. أفرغَ جاري رباح ثلاثة أمشاطٍ منَ الرَّصاص في الهواء إظهارًا لمحبَّته للغرقى، واعتراضًا على إهمالِ الدَّولةِ لهم، مع أنَّه رفضَ أن يقرضَني قبل سفري ثمنَ علبةِ حليبٍ لابني.. قرأتُ في الصُّحفِ أنَّ ثمن الرَّصاص الَّذي أُنفقَ يومَها كان قادرًا على ردعِ معظمِ الَّذين هاجروا في تلك الرِّحلة عَنِ السَّفر لو مُنِحَ لهم..

لكنْ، كلّ ما يطلقُ إلى فوقٍ مصيره أنْ ينزلَ.. والرَّصاص الباردُ أحرقَ المدينةَ.. كسرَ واجهاتِها وخرقَ أسقفَ سيَّاراتِها، حتَّى تلكَ المصفوفة عند طوابيرِ البنزينِ على المحطَّات الفارغةِ.. الرَّصاصُ الطَّائشُ يتَّمَ أطفالَها يا نديم.. في اليوم التَّالي شيَّعنا طفلًا أصيبَ بطلقٍ ناريٍّ مِن رصاصِ الأمسِ.. شيَّعنا معه ابني أمجد يا نديم.. وصلَ جثَّةً منتفخةً.. وصلَ بالمنظرِ الَّذي لم يُرَدْ لي مِن قبل أنْ أراه فيه.. قلتُ لكَ مِن قبل .. كلَّما أهرب منه يلاحقني.. مع ذلك.. لم يتوقَّفْ إطلاق الرَّصاصِ طيلةَ التَّشييع..

لم تصلْ جثَّة زوجتي بعد.. لا أعرف لمَ تأخَّرتْ.. كان منَ المقرَّرِ حسَب حساباتي أن تصلَ اليومَ.. على كلِّ حالٍ الغائبُ عذره معه.. ساعَدني أهل الحارة على كتابةِ نعوةِ ابني أمجد.. كتبوا في ذيلِ النَّعوة: “نعتذر عن تقبُّلِ التَّعازي نظرًا للأوضاع الصِّحيَّة.. التَّعزيةُ عبرَ الهاتفِ..” ووضعوا رقم هاتفي.. للمفارقةِ نجا هاتفي منَ الغرقِ وأعادتْه الأمواجُ إليَّ سالمًا مع حقيبتي.. الموتُ صعبٌ يا أستاذ.. والفراقُ صعبٌ.. صنعتِ التَّعزيةُ للتَّخفيفِ عن كلِّ هذه الصُّعوباتِ.. لكنْ ما نفعها إنْ لم يحضنْكَ مَن يعزِّيك.. إنْ لم يضعْ عينيْهِ بعينيْكَ.. هذا ما خطرَ على بالي، لكنّي تذكَّرتُ فيما بعد أنَّ حياتَنا كلّها أصبحَت افتراضيَّةً، فلا داعي للشَّكوى.. جلستُ إلى الواتس أردُّ على العزاءِ المكرَّرِ لعبارةٍ تعذَّبَ بكتابتِها رجلٌ مِن أصحاب الهمَمِ، ونسخَها عنه بقيَّة أعضاءِ المجموعةِ ليلصقوها عندي.. وحده الواتسُ بقي صامدًا في هذا البلدِ.. وحده مَن استطاع أنْ يقيمَ الدُّنيا ويقعِدَها.. حينما اقترح وزيرُ الاتِّصالاتِ إضافةَ الضَّريبةِ عليه قامَت الدُّنيا ولم تقعدْ.. أمَّا بكلِّ ما تلا ذلكَ مِن أحداثٍ لم يهتزَّ لهم جفنٌ..
وحدها بلديَّةُ المدينةُ كسرتِ القاعدةَ.. وصل رجالُها لتعزيتي في بيتي المتواضعِ في مدينةِ التَّنكِ.. أو هكذا ظننتُ!! ولكنْ تبيَّنَ لي فيما بعد أنَّهم جاؤوا لإجراء فحص ال (pcr) لي، ذلك لأنَّني قدمتُ منَ الغربةِ كما قال لهم جيراني الخائفونَ على صحَّتهم.. لم أفهمْ في البدايةِ أيّ غربةٍ يتكلَّمون عنها، لكنْ بعدَ ذلك تبيَّنَ لي أنَّهم يقصدونَ رحلتي في عبَّارةِ الموتِ تلكَ.. شكرتُهم ووعدتُهم بالتزامِ الحجرِ المنزليِّ ريثَما تصدرُ نتيجة الفحصِ.. في كلِّ الأحوالِ أنا لا أبارحُ المنزلَ.. فلا عمَل لديَّ أُزاوله ولا أقارب أزورُهم أو يزورونَني.. أسرتي ماتَت كلّها.. في ذلكَ اليومِ..
قصَّةٌ حقيقيَّةٌ