43
0
العالم الذي سنزوره اليوم .. عالم لا ضرورة للمال فيه ولا للطعام، والموارد تقتصر فيه على مشاعر يتم استخراجها من مناجم موزعة على كل البلاد.. يعمل في هذه المناجم عمال مساكين لا يحق لهم الاستفادة من المشاعر النادرة التي يستخرجونها ولا يسمح لهم الا بالمشاعر المجانية التي تكفل بقاءهم على قيد الحياة مثل الكثير من الخوف مع رشة من الأمل.
رغم قوة رابط الصداقة الذي يجمعهما لم تبد على ملامح الملياردير ميداس آثار السعادة حينما استقبل صديقه المحقق شرلوك الذي بادره قائلا:
- أين اختفت ابتسامتك المشرقة يا صديقي ميداس؟
- إنه نفس السؤال الذي اطرحه على نفسي.. تخيل يا صاح.. صاحب أكبر مناجم السعادة في البلاد تعيس..
- هل تراجع الانتاج في المناجم؟ سأل شرلوك..
لم يجب ميداس بل اصطحب صديقه الى غرفة ضخمة امتلأت رفوفها بسبائك المشاعر المبهرة - ما شاء الله.. كل هذه السبائك لديك وأنت تفتقد السعادة؟؟!!
- تمعن جيدا يا شرلوك.. هذه سبائك القلق وليست سبائك السعادة
- أحقا ما تقول؟؟!! سأل شرلوك هذا ووضع نظارته الزجاجية ليتأكد فوجد أن كلام صديقه صحيح فتابع مستغربا.. لكن كيف يحصل هذا وانت تمتلك أهم منجم سعادة في البلاد؟؟
- لا أدري.. هذا هو اللغز الغامض الذي حيرني.. لذا استدعيتك فأنت المحقق الأمهر في البلاد..
- هل من المعقول ان عمالك يسرقونك؟؟ سأل شرلوك..
- مستحيل.. انا أراقبهم كل الوقت وأحرص الا أترك في يدهم ذرة من غبار السعادة.. والحصاد وفير كل يوم وأرتبه بنفسي على هذه الرفوف ولكن بمجرد فتح الغرفة في اليوم التالي.. أجد السبائك على هذا الشكل..
- غريب فعلا.. هل استطيع أن اطلع على أفلام كاميرات المراقبة؟؟
- تفضل.. كلها أمامك.. قال ميداس..
بعد الاطلاع على الأفلام لاحظ شرلوك أن سبائك السعادة تتحول تدريجيا الى القلق.. في ظاهرة غريبة لم يشهدها العالم من قبل.. لكن ميداس رفض تصديق ما رأته عيونه وأصر على اتهام منافسه يوجين بالسرقة.. أمام هذا الاصرار لم يجد شرلوك بدا من التحقيق مع يوجين.
على مدخل منزله المتواضع استقبل يوجين المحقق شرلوك بحفاوة.. لم يكن يوجين يمتلك منجما كبيرا للسعادة بل منجم صغير فقط.. مع ذلك كانت خزائنه ملأىء بالسعادة مما أثار ريبة شرلوك.. - سيد يوجين.. قل لي من فضلك.. من اين لك كل هذا؟ سأل شرلوك
- هذا من فضل ربي.. أجاب يوجين..
- لا تحدثني بمصطلحات غيبية.. أريد أن أرى اجراءات الانتاج بنفسي خطوة خطوة.
- على الرحب والسعة.. انزل معي الى المنجم وانظر بنفسك..
وفي المنجم دهش شرلوك أكثر فقد رأى السيد يوجين يوزع معظم انتاج السعادة من المنجم على عماله الذين ينصرفون شاكرين والابتسامة تضيء وجوههم بعكس وجوه عمال السيد ميداس الكالحة.. فأمسك شرلوك بيد يوجين وسأله: - سيد يوجين شاهدتك اليوم توزع كل انتاجك من المشاعر على العمال.. قل لي من أين لك كل هذه السعادة في منزلك..
ابتسم يوجين وقال للمحقق وهو يطلعه على انتاج اليوم: - نظرك خانك سيدي المحقق.. انا لم اوزع كل انتاجي على العمال.. هذا هو انتاجي ما زال كاملا لم ينقص منه حبة..
لكن كيف؟؟ هذا سحر.. صرخ شرلوك مشدوها.. لقد رأيتك بنفسي توزع السعادة على العمال.. - صحيح ما شاهدته يا شرلوك.. لكنك غفلت عن أمر واحد.. السعادة لا تنقص حينما تشاركها مع الناس..
ابتسم شرلوك لدى سماعه هذه العبارة، ولأول مرة في حياته شعر بطعم السعادة الحقيقية.. فهب من فوره ليبشر صديقه السيد ميداس باكتشاف الحل لمعضلته لكن للأسف وصل بعد فوات الان فقد وجد ميداس ميتا تحت ركام سبائك القلق التي انهارت فوقه وقتلته.
بقلم المهندس والكاتب عزام حدبا