1. Home
  2. لبنان
  3. شباب لبنان.. أمل مفقود وقلق يسود
شباب لبنان.. أمل مفقود وقلق يسود

شباب لبنان.. أمل مفقود وقلق يسود

84
0

بعد عامين من التدهور الكليّ والسقوط المدوّي، لم تفلح أجيال الغد في النجاة من ترددات الإنهيار الشامل الذي يعصف بلبنان، حتى سقطت ضحيّة وطن يرزح تحت أعباء مؤلمة قاسية .فالشباب والشابات على اختلاف إنتماءاتهم وخلفيّاتهم وأعمارهم وقدراتهم، يجدون أنفسهم مجبرين على تحمّل مسؤوليات جمّة والتعايش مع أسوأ أزمة ثلاثيّة الأبعاد؛ انهيار اقتصادي متفاقم، تفشي جائحة كوفيد-19 وانفجار مرفأ بيروت في آب عام 2020.

يترنّح معظم اللبنانيين تحت ثقل أزمة غير مسبوقة جعلتهم عرضة
للخطر الاقتصادي، حيث أنّ آثارها السلبيّة والضارّة أدّت إلى خسائر إجتماعية ونفسيّة فادحة في صفوف الشباب، الذين يشعرون يوماً بعد يوم أنّ آفاقهم مقفلة، ملبّدة وباهتة مع تلاشي فرص الأمل في إمكانيّة حصولهم على حياة أفضل ومستقبل واعد. هذا ما أظهره تقرير منظمة الأمم المتّحدة للطفولة “اليونيسف” في استطلاع جديد والذي جاء إستكمالاً لسلسلة التقارير المتابعة للواقع اللبناني المرير تحت عنوان: “البحث عن الأمل” في نظرة قاتمة لشباب وشابات لبنان الذين يتأرجحون عند حافة الهاوية.

المنظّمة أشارت في تقريرها إلى أنّ أخطر ما في التأثيرات الشديدة للأزمة هو اضطرار الكثير من الشباب إلى التسرّب من التعليم الاكاديمي ومختلف أنواع التعلّم الأخرى للانخراط في عمل غير رسمي أو غير منتظم أو حتى بأجر متدنّي، وذلك من أجل تأمين أي دخل يمكّنهم من مساعدة أسرهم على مواجهة التحديات المتزايدة. فوسط إشتداد حزام الفقر وارتفاع معدّل التضخم، يزداد عدد الشباب العاجزين عن تحمّل تكاليف الإستمرار في التعليم، ويضطرون إلى التوقف عنه والبحث عن فرصة عمل. وفي هذا الإطار، أظهر التقييم الذي أعدّته اليونيسف إلى انقطاع الكثيرين عن التعليم والتعلّم حيث إنخفض الالتحاق بالمؤسسات التعليمية من 60 في المئة في 2020-2021 إلى 43 في المئة في السنة الدراسية الحالية. كما تبيّن أنّ 3 من كل 10 شباب في لبنان قد توقفوا عن التعلّم بشكل كلّي، في المقابل خفّض 4 من كل 10 شباب وشابات من إنفاقهم على التعليم من أجل شراء المستلزمات الأساسية من غذاء ودواء الأمر الذي يعكس الأثر السلبي الشديد على مستقبل تعليم الشباب وعلى آفاق العمل الذي قد ينخرطون فيه على المدى البعيد.

وفي ظل سوداويّة المشهد، يواجه الكثير من الشباب صعوبة في الحصول على فرص العمل إذ أنّهم غير مهيئّين للمنافسة على الوظائف القليلة المتاحة، بسبب إفتقارهم إلى المهارات والخبرات المطلوبة. وفي حال تم إيجاد عمل ما، تكون الأجور زهيدة جداً. هذا ويتوقعّ إستمرار فجوة البطالة في صفوفهم والتي تقدّر بنحو 60 في المئة، وهي آخذة في الارتفاع لا سيّما مع وجود نحو مليون شاب ومراهق من أصل 5.5 مليون في لبنان في الفئة العمرية بين 15 و24 عاماً.

كما أظهرت أرقام استطلاع سابق أجري العام 2020، أنّ 58 في المئة من الشباب لم يكن لديهم أدنى أمل بإمكانية العثور على فرصة عمل، وأنّ41 في المئة شعروا حقاً أنّ فرصتهم الوحيدة لحياة أفضل هي البحث عن فرص خارج حدود الوطن وهو ما عزّز إحتمالية حدوث هجرة كبيرة للأدمغة. وفي سياق متّصل، أشار تقييم اليونيسف السريع أنّ 3 من كل 10 شباب يعتقدون أنّ الحياة ستزداد سوءاً خلال السنة المقبلة . في الوقت نفسه، توقّع 4 من كل 10 شباب أن تتحسّن الحياة، ما قد يعكس قدرة الشباب في لبنان على التعافي من الأزمات.

وفيما يتعلّق بالجانب النفسي، أفاد التقرير أنّ تأثير الازمات المتشعّبة والمتفاقمة في لبنان كان هائلاً على الصحّة النفسية بين فئة الشباب، الأمر الذي أدّى إلى سلوكيات محفوفة بالمخاطر وزيادة تعاطي المخدرات وارتفاع العنف القائم على النوع الاجتماعي. وبالعودة إلى تقييم سريع تم إعداده في أيلول الماضي مع نحو 900 شاب وشابة ومراهق ومراهقة تتراوح أعمارهم بين 15 و 24 عاماً في مختلف أنحاء لبنان، أظهرت النتائج أنّ 1 من كل 4 منهم يشعر بالإكتئاب في أحيان كثيرة، في حين أنّ أكثر من نصف من شملهم التقييم قالوا إنّ حياتهم ساءت خلال العام المنصرم. وأكثر ما يثير القلق، هو أنّ 94 في المئة من المراهقين الذين يعانون من إضطرابات نفسية لم يلجأوا الى طلب علاج. هذا وكانت اليونيسف قد أجرت في وقت سابق استطلاعاً منفصلاً بالتعاون مع مؤسسة “غالوب”، ذكرت فيه أنّ 86 في المئة من الشباب في لبنان يشعرون في كثير من الأحيان بالإضطراب والقلق.

أمّا عن الوضع الاجتماعي والاقتصادي المتأزم والذي يأخذ مساراً تصاعدياً في لبنان، فقد أدّى إلى زيادة آليات التكيّف السلبية بما في ذلك عمالة الأطفال وتخطّي وجبات الطعام الاساسية وتقليص الإنفاق الصحي. إذ أشارت أرقام الاستطلاع إلى أنّ 13 في المئة من العائلات تعتمد استراتيجية تكيّف سلبية تتمثّل بإرسال أطفالها، ما دون سن 18 عاماً إلى سوق العمل، وهذه النسبة قد ترتفع أكثر في حال ساء الوضع أكثر. في حين خفّض واحد من كل شابّين تقريباً النفقات الصحيّة؛ بينما تلقّى 6 من كل 10 شباب وشابات الرعاية الصحية الأوليّة عندما احتاجوا إليها. وخلص الإستطلاع نفسه إلى أنّ 16 في المئة من الشابات اللواتي تتراوح أعمارهن ما بين 15 و24 عاماً قد تزوجن، بينهن 2.4 في المئة من المراهقات دون سن 18 عاماً. أما عند الذكور، فالنسب تتدنى حيث بيّن التقييم أن 9.2 في المئة من هؤلاء قد تزوجوا وهم دون سن 24 عاماً، ونسبة من فعلوا ذلك دون سن 18 عاماً لامست الصفر. وفي الختام، خلص التقرير إلى ضرورة معالجة التحديات التي يواجهها الشباب والتحرّك الفوري منعاً من فقدان جيل بكامله.

شباب لبنان فاقدو الأمل في وطن تكثر فيه المآسي والأوجاع والآلام وتُسلب فيه الأحلام وتضيع فيه الآمال. وها هي اليونيسف، تعود اليوم وتطلق جرس الإنذار محذّرة من مخاطر الإنهيار على صحّتهم وسلامتهم ومستقبلهم ومعلنةً أنّ الشباب والشابات في لبنان ليسوا أبداً بخير….. عبارة تصدّرت صفحات التقرير واختصرت مأساويّة الأزمة التي أوصلت أجيال الغد إلى الحضيض . فالشباب هم مداميك الوطن ومصدر ثروته ونقطة قوّته، والحفاظ عليهم وعدم حرمانهم من أبسط حقوقهم واجب مشروع من أجل إعادة إحيائه وتحريك عجلة نموّه الاقتصادي وعودة الحياة والاستقرار إليه، فلبنان لا ينهض إلاّ بسواعد شبابه وخسارتهم تعني خسارة الوطن بأكمله.


tags: