بعيداً عن صراع “القلوب المليانة” بين بعبدا وعين التينة بشأن جدول أعمال العقد الإستثنائي كما ورد بغقتراح رئاسة الحكومة ووقعه رئيس الجمهورية، ومسارعة نبيه بري إلى خبرية “المجلس سيد نفسه”، فإن هذا العقد الإستثنائي، هو الأخطر على الشأن العام والعدالة والحقيقة والحريات.. ويكشف عن مضي مافيا التحكم بالبلد في نواياها الإجرامية التي تستهدف القضاء مقابل حق المغتربين في الإقتراع ل128 نائباً!
في جدول الأعمال، المفترض دستورياً أن ينحصر بدرس الموازنة وإقرارها ولا موازنة بعد، فإن المرسوم يتضمن: قوانين ملحة تتعلق بالإنتخابات النيابية، ما يفتح الباب على تنفيذ الإنقلاب على حق المغتربين بالإقتراع..يقابل ذلك قوانين ستحال على مجلس النواب يتردد أنها قد تتضمن إنقلاباً على صلاحيات المجلس العدلي! والخشية جدية لأخطر تهريبة قد يشهدها هذا العقد الإستثنائي!
كان الشيخ نعيم قد وعد التيار العوني بدعم حزبه للتيار في المعركة الإنتخابية ومنبهاً التيار إلى التحالف الإستراتيجي مع حركة أمل(..) وكل هذه المواقف تطلق على خلفية التزام الفريق البرتقالي “تفاهم مارمخايل” ، وقد حقق هذا التفاهم “إنجازات ” للفريقين على حساب البلد والشأن العام، فمن جهة التيار تحقق حلم وصول عون إلى الرئاسة والحقوق المسلوبة(..) بالمقابل حقق حزب الله مطلبه من رئاسة الجمهورية بالغطاء المسيحي والرسمي للسلاح ودوره في مشروع “ولاية الفقيه” على إمتداد المنطقة!
كل الخلافات بين حارة حريك وبعبدا لم تصل إلى جوهر “التفاهم”، بل على أمور خارجه، فالتيار البرتقالي يتشكى من حزب الله لأنه لم “يمون” كفاية على بري لإسقاط حق الغتربين وحصرهم في الدائرة ال16(إنتخاب 6 نواب يمثلون الخارج)! يقابل ذلك إمتعاض حزب الله من بعبدا وميرنا الشالوحي لأنهما لم يدفعا مجلس الوزراء ووزير العدل ومجلس القضاء الأعلى إلى “قبع” طارق البيطار، بعدما ثبت للداخل والخارج حجم القلق الذي ينتاب حزب الله من المضي في التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ وبيروت!
مرة أخرى ينبغي التنبه إلى حجم المخاطر التي قد تنجم عن العقد الإستثنائي للمجلس النيابي، الذي من لحظة توقيع مرسوم الدورة، أُعيدت الحماية إلى المدعى عليهم بجناية “القصد الإحتمالي” بالقتل: المشنوق، الخليل، زعيتر، دياب وفنيانوس..واستمرت بالتالي حماية الأمنيين و”الذريعة” للأمن الداخلي بعدم تنفيذ مذكرة توقيف علي حسن خليل! وبهذا السياق ينبغي التوقف أمام التحذير الذي صدر عن “نادي القضاة” يوم أمس بشأن قانون إستقلالية السلطة القضائية، وفيه “محاولات تمرير قانون فارغٍ من مضمونه ..للإستمرار بالتدخل السياسي في القضاء”! والمقصود واضح، إذ بين الإستهدافات صلاحيات المجلس العدلي، وقد عودتنا مجالس نيابية فاقدة الشرعية، أن تشرع “غب الطلب”، فتضع قوانين لخدمة هدف بعينه وفق ما تمت الإشارة إليه، وقد شدد النادي على ضرورة رفع صوت الجسم القضائي مطالباً المجلس الأعلى بعقد جمعية عمومية للقضاة دون إبطاء “لإتخاذ موقف موحد مع خطوات عملية”..نشير إلى أن صرخة “نادي القضاة” التي تناولت الوضع المتردي في العدلية عموما حملت عنواناً لافتاً: “متى انهار القضاء زال الكيان”!
بالسياق، دعوة القصر إلى الحوار ولدت ميتة فسارع القصر لإستبدالها بالدعوة إلى لقاءات ثنائية، علها تغطي بعض الفشل، عندما ظن من يخطط في بعبدا أن المنظومة السياسية ستهدي عون صورة “طاولة حوار” قبل أشهر قليلة على الإنتخابات العامة، وقبل أقل من 10 أشهر على إنتهاء الولاية فحصدت الخيبة!
والملاحظ أنه في كل ما يدور من صراعات وخلافات وتجاذبات بين أطراف المافيا المتجبرة، يغيب تفصيل بسيط وهو المآسي المتناسلة معيشياً واجتماعياً وكل هموم البلد ووجع الناس، فالإنهيارات المتتالية باتت من الأمور التفصيلية التي لا تعني المتسلطين.. وأخذ البلد إلى العزلة الخانقة، وفق ما يعمل له حزب الله جهاراً نهاراً، لا يعني الممسكين بالقرار لأن تداعياته لن تؤثر على حساباتهم في الخارج! والجديد اللافت التجاعل الرسمي لتحذير السفير السعودي وليد البخاري من أن “أنشطة حزب الله الإرهابي وسلوكه العسكري الإقليمي يهدد الأمن القومي العربي”!
وأيضاً بالسياق، تزامن تحذير البخاري مع تطور كبير في جبهات اليمن، مع إنهيار الميليشيا الحوثية في جبهات شبوة ومأرب وفرارها من بيحان ! كي ندرك جانباً من أهمية ما يدور، فإن مأرب تبعد عن صنعاء نحو 55 كلم، وفي الطريق اشتد الحصار على البيضاء، ويتفجر الصراع بين قيادات هذه الميليشيات و”المستشارين” من حزب الله والحرس الثوري الإيراني! خذوا علماً لأن تداعيات أحداث اليمن سيكون من الصعب أن تهضم بسرعة، فيما الحدث العراقي يقرع الأبواب فمجلس النواب الجديد سيلتئم بعد نحوٍ من 48 ساعة وحظوظ بقاء مصطفى الكاظمي على رأس الحكومة كبيرة جداً.