الأبرز عودة القاضي البيطار إلى مكتبه اليوم وينتظر أن يسطر مذكرات ومواعيد في وقت ستتكثف بوجه التحقيق العدلي دعاوى الرد وكف اليد، وبالمقابل الغضبة الشعبية أسقطت المشروع الإجرامي الذي اتخذ تسمية “كابيتال كونترول” لكن كل الهدف منه تحصين المصارف ومنع المتضررين من ملاحقتها قانونيا، وبالتوازي تتصاعد خلافات المنظومة السياسية ولا وجلس وزراء بالأفق ويبدو أن لا مصلحة حتى لنجيب ميقاتي الإستفادة من ” إعلان جدة” الذي بدا وكأنه لم يكن!
1- يتلهى ميقاتي بقرارات على الورق عنوانها ضبط الحدود ومنع التهريب، ويتعامى عن مسؤولية دعوة مجلس الوزراء إلى الإنعقاد وتحمل المسؤولية. حزب الله الممتعض من موقف رئيس الحكومة يستعد لمرحلة ما بعد “إعلان جدة” لممارسة المزيد من التشدد والضغط، وعليه طارت فكرة الدعوة إلى إنعقاد مجلس الوزراء. والأمر الأكيد أن حزب الله في خطواته يوظف إستياء عون الذي لم يكن شريكاً بالمحادثة الهاتفية وانتظر مكالمة من ماكرون فتسلم رسالة ديبلوماسية حملتها إليه السفيرة الفرنسية غريو التي تولت إبلاغه الرؤية الفرنسية!
الإستياء كبير في بعبدا ولسان حالهم يقول لينفذوا مع ميقاتي ما اتفقوا معه عليه، وعملياً مقررات جدة سيتم ركنها جانباً فهاجس كل المنظومة الفاسدة آخر النهار شراء الوقت لتعويم وضعها بما لا يرتب عليها الأعباء النتأتية عن إصلاح لن تتسامح الجهات الخارجية في التلاعب به وقد أبلغت غريو أن التعدات الفرنسية والسعودية بالمساعدة مشروطة بأن “يثبت لبنان جدية في عملية الإصلاح” مع التشديد “على التزام المواعيد الدستورية إجراء الإنتخابات الرئاسية والنيابية”!
هنا نفتح مزدوجين كي نشير، إلى أن الأوساط الغربية والأميركية خصوصاً، بدأت تنبه من مخاطر أخذ البلد إلى الفراغ بمعنى تطيير الإنتخابات النيابية وأنتهاء الفترة الرئاسية مع حكومة مشلولة! ويسود إعتقاد لدى جهات خارجية، أن القوى النافذة تدفع بهذا الإتجاه، مستفيدة من غياب معارضة حقيقية تمثل الشارع الذي تمكن من تصديع التسوية الرئاسية في الأيام الأولى من ثورة تشرين.
2- سيترك أثراً كبيراً القرار القضائي الذي اتخته الغرفة 12 في محكمة الإستئناف والذي قضى بعودة المحقق العدلي لإستئناف مهامه. المحكمة برئاسة الرئيسة رندى حروق عللت التراجع عن القرار الذي اتخذه القاضي حبيب مزهر وعطل التحقيق 5 أسابيع بأنه “صادرعن مرجعية لا تملك حق إصداره قانوناً، وبالتالي إعتباره منعدم الوجودكأنه لم يكن مع إبطال جميع مفاعيله”. والملاحظ أيضاً قول المحكمة إن ما أقدم عليه مزهر “ليس من ضمن الإختصاص النوعي”. المدعى عليهم والغرف السوداء التي تعمل بإمرتهم يتحضرون لتقديم سيلٍ من الدعاوى وفوقهم مظلة منظومة الفساد التي انتقلت جهاراً إلى الشروع بمخطط وقف التحقيق بأي ثمن وما زالت تبحث خطوات تجزئة التحقيق والمساومات بين الفاسدين على أشدها!
3- خسرت المنظومة جولة تمرير مشروعها ل”الكابيتال كونترول”. كان للمعارضة الشعبية والإعلامية وأصحاب الودائع أبلغ الأثر، فلم يتجرأ نواب العار والفساد على تمرير المشروع الذي أريد منه تحصين المصارف حيال ما ارتكبوه من نهب وما يخططون بعد لارتكابه! ورمي الناس بعد منعهم من حق الملاحقة القضائية للمرتكبين الذين هربوا الأموال إلى الخارج بعدما نهبوا الناس وأذلوهم وتركوهم للعوز والمجاعة وافقروا البلد! لكن المنظومة انقضت أمس على التدقيق الجنائي في مصرف لبنان، ولم يمدد مجلس النواب قراره برفع السرية المصرفية التي تنتهي يوم 21 الجاري، وأحال الأمر إلى اللجان النيابية، ما يعني التوقف الحتمي عن متابعة التدقيق من جانب الشركة العالمية “الفاريز ومارسال” وقد تبين أنها لم تتسلم ما طلبته من مصرف لبنان للقيام بمهمتها!
أن يتمكن رياض سلامة من الإلتفاف على مطالبات الشركة، فالأمر غير ممكن بدون دعم وتغطية منظومة الفساد، التي تعرف أن التدقيق سيطال مصالحها ويفضح أركانها فالمنهبة خلفها شراكة إجرامية خطيرة. وهنا كان سلامة واضحاً في إمتناعه عن تلبية الكثير من الطلبات إذ ضمن جوابه إلى وزير المال أنه لم يتأكد من قدرة الشركة على حماية المعلومات(.. )وان المطلوب يتضمن بيانات شخصية فائقة الأهمية!
هنا تتضح حقيقة المواقف الرسمية من جوهر الإصلاح المطلوب وبالأخص المالي، وكيف يتآمرون لطي صفحته، وكيف يتعاملون حقيقة مع المطالبات الدولية وهموم البلد..كل ذلك يقود إلى حقيقة أن من نهب ينبغي إقتلاعه لأنه لن يعيد المسروق، ومن دمر لن يعيد الإعمار، ومن استباح الحدود ونفذ اجندة خارجية بالهيمنة لن يتراجع عن دور سلاحه والجيش البديل الذي أنشأه! لكن الناس التي تسجل نجاحات بوجه المتسلطين باتوا أكثر من أي وقت أمام تحدي خلق البديل المستند إلى قوتهم، وهذا المسار هو الذي سيحدد مصير البلد ومستقبل أهله، وغير ذلك سيتواصل الإنهيار والتراجع وتصحير البلد من قدراته
وإمكاناته!