على وقع إعلان الحكومة تشكيل وفد رسميّ من أجل المباشرة بالتفاوض مع صندوق النقد الدولي وإعادة تكليف شركة “لازارد” للاستشارات الدولية بمراجعة وتعديل خطة التعافي السابقة من أجل استئناف المحادثات، أصدر صندوق النقد الدولي تقريره الثاني لعام 2021 حول آفاق الاقتصاد العالمي (World Economic Outlook) تزامناً مع انطلاق إجتماعاته السنوية مع البنك الدولي. وبحسب التقرير الجديد، خفّض الصندوق توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي هذا العام من 6 في المئة إلى 5.9 في المئة مقارنة مع توقعات نيسان وتموز الماضيين وذلك تحت ضغط تفشي سلالات جديدة لفيروس كورونا، في حين أبقى على توقعاته لنمو عالمي تصل نسبته إلى 4.9 في المئة لعام 2022، وهي النسبة ذاتها التي أتت مشابهة لتوقعاته السابقة.
وفي سابقة هي الأولى من نوعها، لم يحظ لبنان بأي نصيب من التوقعات حيث امتنع الصندوق عن إصدار أي توقعات إقتصادية أو مالية متعلّقة في لبنان لعام 2021 أو لعام 2022 في ظل ضبابية المشهد الداخلي المرتبط بالمسار الاصلاحي الذي سوف تنتهجه الحكومة وخطة النهوض الاقتصادي التي ستعتمدها. وبالتوازي مع ذلك، أصدر البنك الدولي تقريراً مختصراً حول الواقع الإقتصادي في لبنان توقع فيه تقلّص الناتج الاجمالي المحلي الفعلي بنسبة 10.5 في المئة خلال عام 2021 بعد أن سجّل انكماشاً بنسبة 21.4 في المئة مقارنة بالعام 2020، الأمر الذي يعني دخوله مرحلة الكساد الاقتصادي (Depression) حيث أظهرت أهم المؤشرات استمرار التقلّص في النشاط وإن في وتيرة أبطأ.
هذا وتوقع البنك الدولي أن يرتفع معدل التضخم في الأسعار من 84.3 في المئة عام 2020 إلى 130 في المئة في عام 2021 وذلك نتيجة تدهور سعر الصرف ورفع الدعم عن المواد الاساسية وارتفاع أسعار النفط عالمياً. كما أشار البنك في توقعاته إلى تقلّص الاستهلاك الخاص بنسبة 5 في المئة عام 2021 وإلى انكماش الاستهلاك العام بنسبة 43.5 في المئة واستثمارات رأس المال الثابت بنسبة 26.3 في المئة. من جهة أخرى، أضاف البنك الدولي إلى أن عجز المالية العامة سوف يتراجع إلى 3.0 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2021، على أن يبلغ العجز في ميزان الحساب الجاري إلى الناتج انكماشاً بنسبة 10.1 في المئة عام 2021 بعد أن كان قد سجّل 6.9 في المئة و 2.21 في المئة عامي 2020 و 2019.
كما أشار التقرير إلى أن قيمة الاحتياطات الإجمالية بالعملات الأجنبية للمصرف المركزي بلغت ما يقارب 20.1 مليار دولار نهاية تموز 2021، مسجلة إنخفاضاً بقيمة 4 مليارات دولار منذ نهاية العام 2020. وأضاف إلى أنه تم خفض متوسط سعر الصرف التابع للبنك الدولي بنسبة 213 في المئة على أساس سنوي مع أواخر شهر آب 2021، في حين تدهور متوسّط نسبة التضخم 131.9 في المئة خلال النصف الأول لعام 2021. وكشف البنك الدولي إلى أن كلّ من سعر الصرف الجديد المعتمد للاستيراد ومصدر العملات الأجنبية سوف يشكلان عاملان رئيسيان في تحديد وقع قرار رفع الدعم المنتظر.
لبنان الذي خرج عن خارطة الثقة الدولية والعربية يخرج اليوم عن خارطة توقعات صندوق النقد الدولي لتبقى الحقيقة المرّة والراسخة أنه بلد مثقل ومتخبّط عاجز عن النهوض وحيداً من أزمته في المدى القريب ويحتاج إلى معجزة حقيقية لتجاوزها وتخطّي حالات الإنهيار والإفلاس. وبانتظار ما تحمله الأيام القادمة من حسن في النوايا، تشكّل عملية إحياء مفاوضات جادّة وصادقة مع صندوق النقد الدولي بارقة إنقاذ من أجل إعادة كسب الثقة وتأمين المساعدات المالية اللازمة والإسراع في الوصول إلى إتفاق فوري يهدف إلى وضع خطة إنقاذ اقتصادية اجتماعية طارئة تنشل لبنان من محنته وتضعه على مسار التعافي الصحيح، ما يعطي أملاً في إنعاش الإقتصاد وتحسين معدلات النموّ.