دعونا نعمل الخيال قليلاً. لو توفر لبلدنا الصغير بالمساحة والعدد، 100 ألف مبدع من العلماء والمخترعين والباحثين والكتاب والموسيقيين..كم كان سيكون لبنان جميلاً ومكاناً للعيش! لكن سنبقى “مكبشين” بالأمل، وسنظل على قيد الوطن، بأن الهواء النظيف الذي حملته “17 تشرين” التي وحّدت الكثرة الكاثرة من اللبنانيين، سيهب ويهب ويكنس نظام “4 آب الإجرامي”.
وحتى موعد اللبنانيين مع استعادتهم دولتهم المخطوفة بالفساد والطائفية والسلاح، سيبقى النزف ويتفاقم، ففيما يتباهى ويتغنى السيد حسن نصرالله بأن بنية حزبه العسكرية تضم 100 ألف مقاتل مدرب ومجهز ومسلح ناطرين(..)، ولا يُعرف ماذا لدى سواه، فإن الأمر الثابت أن نحو 150 ألفاً هاجروا في آخر سنتين، لا بل تم تهجيرهم، وبينهم ألوف من الكفاءات التي ستساهم في تعمير الأوطان التي قصدتها..وكل تلكؤٍ من “التشرينيين” بتحمل مسؤوليات حقيقية ملقاة على عاتقهم، أولها النزول إلى الأرض حيث الناس والاستماع إليهم والمساهمة معهم في إبتداع الأطر التي تقدم لكل اللبنانيين البديل والطريق الصحيح لإنتشال لبنان من الهوة التي دُفع إليها. بدون ذلك سيكون البلد مهدد ب 100 ألف وراء 100 ألف من العاطلين عن العمل، وعن الإنتاج، وممن لم يحصلوا من التعليم والمعرفة ما يُعتد به، وسيكونون أكثر بلا مستقبل، وما حدن يخبركم خبار لا قيمة لها!
تتخذ اليوم تداعيات 14 تشرين منحى يتجاوز بخطورته كل ما عداه. مفاعيل التصعيد والتسخين في المواقف من جانب الثنائي حزب الله وأمل وصولاً إلى خطاب نصرالله، تدفع إلى إعادة رسم حدود عميقة لانقسامات طائفية تذكر بحقبات كانت تسبق المواجهات العسكرية الداخلية. أول مفاعيل هذا التسخين المخيف إنعكس في شلل تام للمؤسسات الدستورية وأبرزها الحكومة، وها هو رئيسها يعلن أن لا دعوة لمجلس الوزراء قبل معالجة الوضع! تخيلوا المعنى جيداً، مجلس الوزراء الذي أناط به الدستور كل الصلاحيات، غير قادر على الإجتماع والعلاج فشو شغله ولماذا وجوده؟ إنه ينتظر إشارة من الممسك الفعلي بالقرار قبل أن يتحرك في نطاق محدود! والمجلس ليس في أفضل حال. أما رئاسة الجمهورية التي لم يكن لها من همٍ طيلة السنوات الماضية وحتى تاريخه إلاّ البحث عن سبل توريث صهر العهد، فقد فاتها قطار القيام بأي دور مؤثر!
حرب الإتهامات والتهديدات بدت مع نصرالله ليل أمس أشبه بمحاكمة سياسية إستباقية مثيرة للقلق، حولت جعجع إلى “النجم” وبدا الأمر مشغولاً، كما حملت الكثير من التحريض والإصرار على استباق التحقيقات بما جرى يوم الخميس الأسود. فتم القفز فوق معطيات يتم تناقلها تشير إلى أن التحقيقات والنتائج الموثقة متناقضة مع رواية حزب الله وأمل. لا كمين ولا قناص، والأمر أكده عىنية وزير الدفاع الذي شدد على وصف ما جرى بالحادثة المشؤومة التي ما كان يجب أن تقع،، وأن هناك إمكانية لحصول إطلاق النار في الشارع وليس من على أسطح المباني، مع إشارته إلى قضية إنحراف التظاهرة عن خط سيرها الأساسي والدخول إلى شوارع فرعية في عين الرمانة!
طبعاً تابع الناس مضبطة إتهامات وجهها نصرالله إلى جعجع وحزب القوات، بأنهم في أقله دعاة حرب أهلية(..) وذهب إلى مغالطات أو سقطات عندما اتهم القوات بدعم مالي لداعش وكأن الباصات الخضراء المكيفة انطلقت من معراب لنقل الدواعش من الجرود حتى دير الزور! وأوكل تنفيذه الإتهامات إلى الدولة والمرجعيات الروحية المسيحية والمسيحيين وقد طالبهم بالوقوف بوجه القوات”إذا أرادوا المحافظة على أمنهم الوجودي وسلمهم الداخلي.. وطال التهديد الدولة إن لم “تتحمل مسؤولياتها” وكذلك القضاء، حيال القوات أو بشأن معاقبة عناصر الجيش الذين بينت الفيديوهات أنهم ضالعين بإطلاق النار..وإلاّ فإن “حزب الله لن يترك دماء شهدائه على الأرض” ومحذراً من أن ما جرى الخميس قد يكون لغماً يمكن أن ينفجر في منطقة أخرى! وتوجه بالمباشر إلى جعجع محذراً من أن لدى حزبه 100 ألف رجل!
صوّر الخطيب الوضع بأن لا مشكلة مع اللبنانيين حيال سلاحه، إلاّ مع القوات اللبنانية! قدم صورة ثنائية، وحدها القوات تعمل لخربطة “الإجماع” على سلاحه! وتجاهل عمداً كل ما يعتمل في المدن والبلدات وأبعد الأرياف، على إمتداد لبنان، والذي عكسته “17 تشرين” التي استهدفها نصرالله باكراً بالتخوين والترهيب وأنهم جماعة سفارات، والأكيد لم ينسى الناس مشاهد التعديات المباشرة، لأن الثورة كانت تؤكد مرة بعد أخرى، التمسك فقط بسلاح الشرعية، وتصر على بسط سيادة الدولة دون شريك، وحددت هدفها باستعادة الدولة المخطوفة، وأكدت يوماً بعد آخر أنه بدون استعادة الدولة لن تتحقق مطالب ولن تستعاد كرامات.
ما يريده حزب الله هو العودة بالبلد إلى شكل الإنقسام السابق الذي تلا الإنقسام الآذاري، فمنح خطابه لحزب القوات من الدعم في بيئة واسعة ما لم تتوقعه في يومٍ من الأيام! لكنه لبيئته اللصيقة خلق العدو الذي يساعد في أن ينسى الناس أثقالهم وهمومهم من الكهرباء إلى الإستشفاء والدواء، ومن البطالة المتدحرجة إلى الغلاء وإنهيار المداخيل وسقوط الليرة التي فقدت 92% من قيمتها. وإن أفاض من موقعه المعروف بالحديث عن المسيحيين ذكّر أن حزبه أنجز إتفاق مار مخايل مع التيار “الذي كان” المثل الأكبر للمسيحيين(..) وإمتدح موقف الوفاء الذي اتخذه سليمان فرنجية، الذي كان يمكن أن يكون هو الرئيس لو لم يلتزم موقف حزب الله. والأكيد أن باسيل وعمه الرئيس، لم يتلقيا هذا الموقف بانشراحٍ كامل! وكي لا ننسى لم يفت الخطيب نكأ الجراح بين المستقبل والقوات، فيما شيء من التهميش طال كل بقية أطراف المنظومة! وبين ما يثير الإهتمام أن بين النقاط العديدة التي تم طرحها كان هناك خلف الإشادة إستهداف للمؤسسة العسكرية!
الحملة طالت قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار”الديكتاتور” الذي “يعتبر العالم كله معه والرأي العام معه”،واتهمه بتنفيذ أجندة خارجية “لاستهداف حزب الله”، وحمّل مؤسسات الدولة الدستورية والتنفيذية والقضائية مهمة تغيير المشهد: الوقت انتهى شوفوا شو بدكم تعملوا لأن الإستمرار على هذا الحال لا يخدم البلد ولا استقراره! وبعبارة أخرى مطلوب أن تجدوا طريقة ل”قبع” البيطار! القصة الأساس ممنوع محاسبة أي جهة من المافيا المتسلطة ومصلحة نصرالله كما الآخرين بتكريس بقاء نظام الحصانات!
الأنظار المصوبة على ما سيجري اليوم في المجلس النيابي من منحى لتكبيل التحقيق العدلي في جريمة المرفأ وتطويق القاضي طارق البيطار، عبر ما يشاع عن ابتداع لجنة تحقيق نيابية أوما يعادلها، بحيث تصبح قضية التحقيق في جريمة المرفأ أمام مرجعيتين: اللجنة النيابية وقاضي التحقيق العدلي! مع كل ما يحمله ذلك من هزل في التعاطي مع أخطر جريمة عرفها لبنان. فبالتوازي يبدأ مجلس القضاء الأعلى مشاورات داخلية حول الوضع، ورجحت أوساط مطلعة أن يلتقي البيطار يوم الخميس ويقولون أن الهدف مناقشة ما يثار حول مسار التحقيق وقد ضغط ميقاتي بهذا الإتجاه! الذي يحمل أبعاداً خطيرة لجهة التدخل في تحقيق سري ودور وعمل قاضي التحقيق، وقد اعترفوا أنه سيّد ملفه وبين يديه كل الصلاحيات للوصول إلى تكوين قناعة في الملف. وتذكروا ان قاضي التحقيق العدلي يجمع في شخصه مهام قاضي التحقيق والهيئة الإتهامية في القضاء العادي.. ولا بد من الإنتظار، لكن الأكيد أن الحملة الشرسة لم تتمكن من إنجاز هدف “قبع” القاضي، الذي يحوز التأييد الأوسع، بعدما أحدث هزة قضائية إيجابية ومنح الناس الأمل بأن زمن الإفلات من العقاب يمكن أن يتوقف!