“ما رح تقتلونا مرتين” و”استعادة وطن وبناء دولة”، و”لا بديل عن الإنتصار إلاّ الإنتصار”. تلك بعض الشعارات التي رفعها أمس الذين تجمعوا أمام قصر العدل، يحملون الأعلام اللبنانية وصور ضحايا “17 تشرين” وضحايا تفجير المرفأ، رافضين بلطجة منظومة الفساد، والحملة التي يقودها حزب الله لوأد الحقيقة، مشددين على حماية مسار العدالة وحماية التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ والعاصمة.
المتظاهرون الذين وجه وجودهم رسالة بأن جذوة 17 تشرين لن تنطفيء، وأن الثورة مستمرة، انطلقوا إلى ساحة الشهداء وبعدها إلى المرفأ لإضاءة الشعلة تحية للضحايا، وتحية لبيروت العاصمة التي حضنت ولم تميز. يدركون أن الوضع المأزوم عميق وخانق على كل الصعد خصوصاً المعيشية، والتحديات كبيرة لبناء دولة طبيعية في ضوء الواقعٍ القائم. إقتصاد مدمر وبطالة آخذة في الإتساع ومجاعة زاحفة، وعزلة عربية ودولية نتيجة سياسات الإرتهان لمحور الممانعة التي دفعت منظومة الإجرام البلد إليها، فيما حكومة المحاصصة الحزبية الطائفية التي تشكلت برئاسة ميقاتي دخلت باكراً في موتٍ سريري! والحقيقة أنه بعد نحو من 40 يوماً على تأليفها، لم تتخذ أي مبادرة يمكن أن تعطي إشارة عن وجود نية لدى الجهات الرسمية بكبح الإنهيار، لذلك فإن القلق عميم من أن لبنان الذي عرفه الناس سقط والمستقبل مجهول!
اليوم، ومع دخول لبنان السنة الثالثة على إنطلاقة الثورة تردد أبواق، ماذا فعلت الثورة وماذا أنتجت وأين البديل الذي قدمته! بالتأكيد لم تبلور بعد البديل، وإن نجحت في تعرية الفاسدين، وأكدت على قناعة أنه بوسع المجتمع الزود عن مصالحه واستعادة حقوقه، لكن السؤال الحقيقي مطروح على كل الطبقة السياسية، ماذا قدمت منذ 30 سنة من الإستبداد والسلبطة والجبروت على الناس؟ إن التغيير هو بديل الوقع الخطير، والطريق لاستعادة الدولة المتشظية ممن خطفها ونهبها وأفقر أهلها وارتهن قرارها، وهو طريق طويل وشاق وما من بديل إلاّ المثابرة لخلق الحالات المنظمة سياسياً، كأساس لقيام جبهة المعارضة المرتجاة، فيكون ممكناً فرض العودة للجلوس تحت سقف الدستور، في ظلِّ القضاء المستقل، والعدالة غير المنتقصة، لأنها تحمي السلم وتضمن الحقوق وتوقف الإنتهاكات! لقد عمّقت الثورة منحى المحاسبة والمساءلة لدى أوسع الشرائح ووفّرت القناعة أنها ممر إلى الغد المطلوب!
ولأن الناس بنسبة كبيرة غادرت المربعات المناطقية ونبذت التسعير الطائفي، تستمر محاولات تكبيل الناس والمناطق، وهذا ما يدأب عليه حزب الله الذي كان أول المتصدين لثورة تشرين، والجهة التي تحتكر القرار وتمضي في نهج التحكم بالبلد استناداً إلى فائض القوة! لذلك عاد التحريض والوعيد والجهر بدعوات من نوع مقايضة العدالة في جريمة تفجير المرفأ بالسلم الأهلي! لذلك تكثفت، بعد الخميس الأسود، أعمال التحريض والتعميمات الخطيرة، مع ما يحمله ذلك من مؤشرات سلبية عن إصطدامات في الأفق، ويمكن مراجعة الخطب الأخيرة لمحمد رعد وحسن فضل الله، قبل خطاب نصرالله الليلة والتهديدات التي بشرت أوسطه أنها ستكون الحد الفاصل بين زمنين! وأمام كل هذه التحديات، والرسائل التي جسدها الخميس الأسود، لا يمتلك الناس وخصوصاً ثورة تشرين إلاّ دعم المسار القضائي في التحقيق العدلي في جريمة المرفأ، كما جريمة الطيونة، والرهان أن الحقيقة والعدالة هما الممر الإجباري لبدء استعادة الدولة المخطوفة وإنتشال البلد! عليه كل المحاولات الآثمة للضغط على المحقق العدلي طارق بيطار وتكبيل عمله تندرج في سياق المخطط الخطير المانع خروج البلد من المستنقع!
بهذا السياق تبدو مسيرة منظومة الإجرام ل”قبع” القضي طارق البيطار مستمرة، وليس الخميس الأسود سوى محطة دموية قابلة للإستثمار خدمة لهذا المنحى. يقولون بالفم الملآن أن دولة القانون ممنوعة، وأنهم ماضون بالبدع يختلقونها لتبرير وتغطية الفساد والتسلط والإلتحاق! بهذا السياق يندرج الإقتراح الخطير الذي يتداولونه وهو تقديم مشروع قانون معجل مكرر لإنشاء هيئة إتهامية عدلية استثنائية في جلسة مجلس النواب يوم غد الثلاثاء، يكون إختصاصها النظر في قرارات المحقق العدلي!
في القانون، قرارات المحقق العدلي لا تقبل أي مراجعة بأي شكلٍ من الأشكال؟ فإن صح هذا الأمر فيكون المراد منه إسقاط القرارات التي سيتخذها قاضي التحقيق، تلبية لمطالب نبيه بري وحسن نصرالله! نعم خطير منحى إقرار هذه الهرطقة، المتصادمة مع الغاية من إنشاء المجلس العدلي من أساسه، وإن ثبت ذلك يكون عون وميقاتي على وجه الخصوص، يسعيان لبعث الروح في الجثة الحكومية، من خلال تقديم أقصى التنازلات أمام الثنائي نصرالله وبري لينزلا عن الشجرة التي صعدا إليها! ولكن على حساب الحقيقة والعدالة ومن أجل الحفاظ على نظام الحصانات وسياسة الإفلات من العقاب..ما يستوجب إتساع المواجهة بكل السبل الديموقرطية حول مختلف القضايا وأولها العدالة لبيروت أولاً!
وبعد، يبدو مسار التحقيقات في أحداث الخميس الأسود مغاير للمنحى الذي رسمه الثنائي أمل وحزب الله، ويبدو أن الجيش في سعيه لاستيعاب فوضى المسلحين والاشتباكات المفتعلة، تصدى لحملة القاذفات الصاروخية بعدما تبين أن تظاهرة النخب الموعودة كانت مجموعات من القمصان السود قرر من أرسلهم، وفي هذه المنطقة بالذات، محاكاة الحرب الأهلية..التحقيق يجب أن يستكمل بشفافية ومن حق الناس أن تعلم، وأن ترفض أن تكون الحطب لأي منحى للتسلط!