ماذا فعلت بهم يا طارق البيطار؟ كيف تجرأت على استدعاء المسؤولين الكبار كأي مواطن عادي، وادعيت عليهم بجناية القتل وأصدرت حتى الآن مذكرات التوقيف الغيابية بحق الوزيرين فنيانوس وخليل والإحضار بحق حسان دياب؟ طبقة سياسية من المجرمين بأمها وأبوها نهبت وأفقرت وأفسدت وسطت على الودائع ومتهمة بالقتل، بدت تهتز كأوراق الخريف أمام القانون وأمام الحق، فتقدم حاميها حامل الأختام نصرالله للدفاع عنها، كما فعل منذ اللحظة الأولى بعد “17 تشرين”، لكن تبدو القضية أبعد من خليل ومشنوق وفنيانوس ودياب، لأن الإدعاء بالجناية الذي طال مروحة واسعة من الطبقة السياسية وذراعها الأمنية والعسكرية لم يشمل أي مسؤول من حزب الله، فماذا لدى الحزب من أمور لا يريد للتحقيق أن يصل إليه؟
طارق البيطار، الذي يلهج بالدعاء لك كل مظلوم ومتضرر ومنتهكة كرامته، أنت المدرك حجم الترهيب والمخاطر وأبعاد التهديد، لم تتراجع عن المواجهة، عن خوض معركة استقلالية القضاء التي تتحقق في الممارسة قبل القانون! ولم تتراجع عن البحث عن حق كل اللبنانيين بالحقيقة، وأصريت على أن من يعتبرون أنفسهم قوق القانون، عليهم وواجبهم النزول إلى الأرض، وأن قاض واحد شجاع ورجل قانون، تمكن من كسر كل ما تم غرسه في أذهان عامة الناس من أن المسؤولين فوق الملاحقة، وفوق المحاسبة، وأن ما من جهة قادرة على كسر قانون الإفلات من العقاب! هم فوق الملاحقة لأنهم كانوا مطمئنين لإستتباعهم القضاء، فحركت تجربة البيطار، وقبله فادي صوان، حالة كرامة ونزوع للعدالة لدى أوساطٍ قضائية مغايرة للتسلط السياسي على القضاء!
كلمة السر اطلقها حزب الله بلسان أمينه العام متبنياً ما ذهب إليه المسؤول الأمني صفا: “قبع” البيطار قاضي التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت! وكل الأسلحة مشروعة لخدمة هذا الهدف رغم العجز الفاضح عن تقديم معلومة واحدة ضد المهنية العالية لقاضي التحقيق الشجاع، إلاّ الاستعلاء والتخرصات والتهديد والوعيد! واعتبار البيطار رأس حربة هجوم أميركي! وجاء الرد 7 أيار وزارياً!
الأمر الخطير الذي برز في مجلس الوزراء تمثل في فيتو مذهبي حزبي من وزراء “الإختصاص” التابعين لحزب الله وحركة أمل، ضد شخص قاضي التحقيق العدلي البيطار والهدف نسف التحقيق برمته، وكاد المريب أن يقول خذوني..وترافق ما جرى في مجلس الوزراء مع التهديد الفج باللجؤ إلى الشارع يوم غد الخميس ما لم يتم إبعاد البيطار، بأي طريقة، وعلى كل اللبنانيين أن ينسوا تدمير قلب بيروت والإبادة الجماعية!
كل هذا التطور الخطير الهادف إلى نسف التحقيق في جريمة الحرب المرتكبة ضد العاصمة، ما كان له أن يأخذ منحى التطييف الخطير لولا الصمت المذهل من أركان الدولة، التي تجاوزت دفن رأسها في الرمل تهرباً من مسؤولياتها عن أرواح الناس والبلد، إلى التحامل على التحقيق، وإعطاء الدروس لقاضي التحقيق، وعلى وضعي العصي في دربه، وآخرها موقف عون في المجلس الأعلى للدفاع، عندما رفض في إجتماع يوم أمس،، وللمرة الثانية منح الإذن لملاحقة اللواء صليبا، لا بل اشترط أن الإذن معلق بأن يستدعى صليبا كشاهد وليس كمدعى عليه!
وزير الثقافة القاضي محمد مرتضى، ونعم الثقافة والقضاء، قدم مطالعة سياسية تحامل فيها على البيطار وألبسها صياغة قانونية مستفيضاً بالاتهامات بالإستنسابية وختمها بمطالبة سافرة من مجلس الوزراء ب”قبع البيطار”! وقد لفت الإنتباه أن الرد جاء من وزير العدل القاضي خوري الذي أراد التخفيف من إندفاعة زميله القاضي مرتضى فلفت إلى مبدأ فصل السلطات وأنه “من غير الوارد ولم يحصل في تاريخ القضاء مثل هكذا تدخل في تحقيق عدلي”. وأضاف أن “تغيير المحقق العدلي هو شأن مجلس القضاء الأعلى”. وأن مجلس الوزراء “لا يمكنه فعل شيء سوى سحب قضية المرفأ من المجلس العدلي وهذه سابقة لا يمكن لمجلس الوزراء ولا لأحد أن يتحمل وزرها”. وبدا أن عون وميقاتي ليسا بوارد تسجيل مثل هذه السابقة!
لكن مرتضى وبقية الفريق منعوا مجلس الوزراء من إكمال جدول أعماله، مع قول مرتضى:”مصرون على موقفنا ولا يمكننا أن نكمل هكذا”! فطلب رئيس الجمهورية رفع الجلسة إلى بعد ظهر اليوم وسط التهويل باعتكاف الوزراء الشيعة ما يعني شل الحكومة وتعطيلها! وهنا بدأت ترد الأخبار عن مخطط وضعه بري بموافقة نصرالله ،ويجري بشأنه مشاورات مع رؤوس “عائلات” الحكم، لإطاحة البيطار عبر استصدار قرار بترقيته قضائياً إلى رئاسة هيئة القضايا وعضوية المجلس الأعلى! فيخرج تلقائياً من التحقيق إذ ليس جائزاً الجمع بين هذه المواقع وموقع المحقق العدلي! لو تم مثل هذا المنحى هل بوسع البيطار أن يرفضه وما هي تداعياته، بالتأكيد ستقدم التطورات الآتية الأجوبة! والمفترض بلورة إتجاه ما قبل جلسة بعد ظهر اليوم التي تهدد كل التوليفة الحكومية التي جيءَ بميقاتي لرئاستها وأسميت حكومة “معاً للإنقاذ”!
في التطورات تم “رد” البيطار من محكمة التمييز برئاسة القاضي ناجي عيد رئبي الغرفة الأولى، وقالت المعلومات أن عيد طلب تقصير مهلة الرد على الطلب من القاضي بيطار إلى 3 ساعات، بدل 3 أيام، ما يعني أنه لن يتأخر عن البت بالقرار خلال ساعات. فإن صدر رد الدعوى، كما هو مفترض في ساعات قبل الظهر، قد يتمكن البيطار من متابعة واحدة على الأقل من جلسات التحقيق المحددة اليوم في العاشرة والواحدة مع المشنوق وزعيتر، وإلاّ سيتم التأجيل إلى موعد آخر والمهلة الفاصلة عن 19 الجاري موعد استعادة الحصانات تضاءلت. هنا نشير إلى أن من يصدر بحقه مذكرة توقيف الآن قبل استعادته للحصانة، لا تتوقف متابعة ملاحقته، بعد 19 الجاري، لأن المذكرة صدرت قبل الحصانة!
وفي التطورات أيضاً، أنه بمجرد وجود فريق المحامين عن علي حسن خليل عند البيطار، وطلبوا الإستمهال ورفض، وأصدر مذكرة التوقيف الغيابية، فإن الخليل إعترف بصلاحية التحقيق العدلي في ملاحقته، وهذا أمر مهم. ولفت الانتباه أيضاً أن خليل أعلن ليلاً أن وزراء أمل وحزب الله سيستقيلون ما لم تتم تنحية بيطار وهاجم الفريق العوني الذي يتحدث عن رفع الحصانات ويحمي القصر اللواء صليبا!
ويبقى أن هذه الحملة ضد الحقيقة والعدالة والقضاء أثرت الكثير من الردود الخارجية التي حذرت من المنحى الخطر على لبنان ومصالحه وعلى حكومته وما تأمل القيام به!
اليوم ١٣ تشرين يوم لبعضهم كي يحتفلوا بما ارتكبوه وبالهزيمة وما رافقها من تخل التي ستلاحقهم دوما!