إبتسم أنت لبناني! ماذا كنت ستفعل لو لم تكن تعيش في ظل “الحكم القوي”! ولو لم يكن قد تحقق “الانتصار الإلهي في العام 2006، وما تلاه من أيام “مجيدة”، وصولاً إلى صهاريج المازوت التي استقبلت برش الأرز وقذائف “ب سفن”!
دورية من قوى الأمن العام، أوقفت ليل أمس عرضاً مسرحياً كان يقدم على خشبة “مسرح المدينة” في الحمراء، والسبب المعلن أن المسرحية تنتقد رئيس الجمهورية، وكل الطبقة السياسية المتحكمة! فخرج الممثلون إلى الشارع مع الجمهور، وأكملوا وصلة التمثيل في الهواء الطلق، ليستقطب العرض الحي أعداداً كبيرة من الناس، وتنفجر مواقع التواصل الإجتماعي بحملة إدانة واستنكار، لمنحى خطير يرمي إلى كم الأفواه وإسكات الناس عما يجري في البلاد وقد تم رمي المواطنين في أشداق المجاعة!
وتتوالى الإنجازات، ويبدأ اليوم موقع “درج”، مع مجموعة من وسائل الإعلام العالمية بنشر “وثائق باندورا” وهي أكبر تحقيق إستقصائي شارك فيه 600 صحافي من حول العالم لكشف أسرار الجنات الضريبية! لكل من يسأل أين تبددت الثروات اللبنانية وكيف تم تبخر 120 مليار دولار هي ودائع ومال حلال للبنانيين، سيجد جانباً من الجواب في السلوك الإجرامي لمنظومة سياسية فاجرة، وكارتل مصرفي ناهب، سطوا على جني أعمار الناس، استفادوا من فائض قوة الدويلة وشراكتها، وتأمنت لهم كل سبل الحماية من الملاحقة القانونية والقضائية! والدليل أن كل السطو لم يسفر بعد عن توجيه إتهام واحد لفاسد، بل شكلوا حكومة “الثورة المضادة” لتولي عملية “الإصلاح والإنقاذ”!
المفارقة اللافتة في “وثائق باندورا” الكم الكبير من الملفات التي تعود إلى أسماء لبنانية. فمن بين 14 مزوداً للملفات المسربة، وعددها نحو 12 مليون وثيقة، كانت شركة trident trust الأكبر من بينها مع عددٍ من الملفات من نحو 3 ملايين وثيقة، ليتبين أن لبنان سبق كل دول العالم في تسجيل الشركات في الملاذات الضريبية! حلّ لبنان أولاً مع 364 ملفاً، تلته بريطانيا في المركز الثاني مع قائمة زبائن ب 151 ملفاً، وحلّ العراق ثالثاً مع 85 ملفاً! والأمر الأكيد أن هذه الوثائق ستكشف الكثير عن الموارد المالية للعديد من قادة الدول والمسؤولين الحكوميين والسياسيين والمصرفيين، وبالتأكيد الحصة اللبنانيية من رؤوس الفساد ستكون حرزانة، لأن التسريبات كشفت الأسماء الحقيقية للمالكين الحقيقيين لأكثر من 29 ألف شركة خارجية يتحدر مالكوها من نحو 200 دولة حول العالم!
وبعد، لتبقى الأعين على التحقيق العدلي في جريمة تفجير مرفأ بيروت. الحملة السلطوية لتعطيل التحقيق تثير كل يوم تفاعلات في الخارج، والجديد تمثل في دعوة نواب أميركيين الحكومة اللبنانية إلى الحفاظ على سلامة التحقيق وسلامة القضاة الذين يتولون التحقيق في جريمة التفجير.
وقد ابدى بيان صدر عن لجنة الشؤون الخارجية في الكزنغرس الأميركي القلق من “دور حزب الله في الدفع بقرار تعليق هذا التحقيق الحساس”. وشدد على نزاهة المحقق العدلي الناظر في ملف التفجير القاضي طارق البيطار، معتبراً أنه قاضٍ محترم خدم بلاده طيلة أكثر من عقد. وأعرب رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأميركي غريغوري ميكس عن قلقه الكبير إزاء رضوخ الحكومة اللبنانية للضغوط السياسيبة بتعليقها التحقيق.. وكشف عن رسالة تم توجيها إلى وزير الخارجية بلينكن، بشأن التعاطي الأميركي اللاحق مع الأزمة السياسية والإقتصادية اللبنانية، مشدداً على أولوية إكمال التحقيق في جريمة المرفأ بسرعة وشفافية.
وبعد البعد، قال صديقي إن السخط لا يصنع مقاومة، ولا يوفر أي إمكانية للمواجهة، إنه تنفيسة شخصية لا أكثرّ! وهو أمر أكيد، لذلك آن الأوان للذهاب بشكلٍ حثيث لبناء تنظيم سياسي أفقي، يتسع للمؤمنين بأن هذا البلد لبنان، يمكن أن يعود المكان الأمثل للعيش. تنظيم أفقي تشاوري يجمع الخصوصيات المحلية ضمن السياق الوطني العام، لرد الهجمة العاملة على إقتلاع البلد وتغيير هويته، وتكريس التحاقه، وتحديد دوره كجزء من “الحزام الأمني دفاعاً عن نظام ملالي طهران كما أعلن الجنرال الإيراني غلام علي رشيد!
وحده العمل السياسي المنظم، بعد كل تجارب المجموعاتية وما نشأ عنها من جبهات اندثرت بمجرد الإعلان عن قيامها، يشكل بداية انتقال حقيقية لبناء البديل السياسي عبر توفير أداة كفاحية دفاعية عن حقوق الناس. أداة يلتقي بأطرها كل المؤمنين أن لبنان يمكن أن يعود وطن العيش والتلاقي، من خلال جمع مواطنين ساعين إلى انتشال البلد من الهوة، والعمل قبضة واحدة في مواجهة حكومة “الثورة المضادة”، التي لن تتأخر عن مصادرة الهواء والنور وإحكام العتمة. الانتقال إلى الفعل، طريق استعادة بيروت اللؤلؤة إلى ما كانت عليه، منارة ونور وملجأ آمن وحضن دافيء، والبداية وقف التهديم والتدمير الممنهج لها ومعها كل لبنان!