في فترة أزمة البنزين والمحروقات المفتعلة تكون أنت الحلقة الأضعف.
بعدما تكون قد ملأت خزان سيارتك بالبنزين تبدأ القصة من جديد. وتبدأ بتحديد أولويات تحريك سيارتك وإستهلاك البنزين. تكتسب عادات جديدة وهي ملاحظة عدادات السيارة الخاصة بالبنزين فالمؤشر الأول هو كم لديك من البنزين في خزان سيارتك وكيف يتناقص هذا المؤشر تباعًا مع تحريك السيارة أولًا بأول وكم بقي في الخزان.
المؤشر الثاني هو كم هي المسافة التي يمكنك قطعها بالسيارة بالكمية المتبقية من البنزين في خزان سيارتك.
المؤشر الثالث هو متى عليك أن تسعى لتعبئة خزان السيارة قبل الوقوع في مطب توقف المحطات عن تسليم البنزين.
المؤشر الرابع هو ما نسمعه في نشرات الأخبار أو عبر وسائل التواصل الإجتماعي بخصوص التصريحات اليومية ومنها هل فتح المصرف المركزي الإعتمادات اللازمة لناقلات النفط؟ ومنها ماذا صرح نقيب أصحاب المحطات أو أصحاب الصهاريج عن توفر مادة البنزين وكم هو المخزون الحالي المتوفر ومتى سينفذ من المحطات؟ أو تصريح الوزراء المعنيون دون طائل.
الصور والفيديوهات التي تنتشر على وسائل التواصل الإجتماعي تظهر زحمة الطوابير على محطات البنزين وزحمة الدراجات النارية وزحمة الناس التي تحمل الغالونات وكما يقول المثل “الناس فوق بعضها” والكل يطرح بطريقة إستنكارية أساليب تنظيم الطوابير مع الإستياء الكامل من المستغلين لبيع البنزين في السوق السوداء بسعر يفوق السعر الرسمي ضعفين أو أكثر ولا تدري ما إذا كان البنزين مغشوشًا بالماء والذي قد يؤدي إلى عطل في السيارة.
تأخذ دورك في آخر الطابور الممتد من محطة البنزين رجوعًا إلى الشوارع والمفارق المتصلة بمحطة البنزين حيث تبدأ رحلة حرق الأعصاب وحرق بنزين سيارتك ريثما تصل إلى محطة البنزين. طبعًا عيناك باستمرار تكونان على مؤشر البنزين والهاجس هو هل ستتمكن من تعبئة البنزين أم ستتوقف المحطة عن التسليم عند وصول دورك وكم تكرر هذا المشهد.
تقعد في سيارتك فلا تشغل المكيف لأنه ترف بحد ذاته وتفتح شبابيك السيارة الأمامية والخلفية لإدخال الهواء عساه يخفف من حرارة الشمس العالية. وبحسب تقدم الطابور يتغير موقع سيارتك مرات تحت الشمس مما يتيح لك بأخذ حمام شمس نصفي جهة اليسار من وجهك ويدك اليسرى.
وقوف سيارتك لفترات طويلة وإنتقالها البطئ جدًا إلى الأمام في الطابور يتيح لك فرصة معاينة الطابور الذي يسبقك وتتمنى لو يتحرك بشكل أسرع وتنظر إلى الطابور خلفك كيف يزداد لحظة بلحظة.
يزداد عندك حس الملاحظة التفصيلية فتحفظ على سبيل المثال نوع السيارة التي أمامك لونها رقم لوحتها هل عليها أثار ضربات؟ هل هي نظيفة مغسولة أن يغطيها الغبار؟ كما تلحظ على الأكواع السيارات التي أمامك أو تلك التي هي خلفك، ألوانها أحجامها وتلاحظ تصرفات السائقين وماذا يلبسون. هذا يلبس تيشورت ملون وهذا يلبس بنطلون شورت وهذه تلبس ثياب رياضية كما يلفتك عدم بقاء البعض في سياراتهم بل ينزلون منها ليستطلعوا الطابور أمامهم وليعبروا عن نفاذ صبرهم ثم فجأة يتقدم الطابور فيركضون نحو سياراتهم لتحريكها بعض الأمتار إلى الأمام بينما يطيل بعضهم فترة ترك السيارة فيغيب عنها ومع تحرك الطابور يبدأ الشعور بالإستياء من السائقين المنتظرين تحرك السيارة الغائب عنها سائقها.
تنظر يمنة ويسارًا هنا مبان وهناك أشجار وأزهار بجوار مستوعبات النقايات المليانة وأنت في سيارتك تتصبب عرقًا على أمل تقدم الطابور لتقف في مكان فيه ظل وبعيدًا عن أشعة الشمس الحارقة.
من قواعد تحرك الطابور هو عدم السماح للسيارات بالوقوف أمام مداخل البنايات أو المحلات التجارية أو غيرها من المرافق مما يجعل الطابور متقطعً عند هذه الأماكن.
لا شعوريًا تبقى عيناك مسلطتان على ستوبات السيارات التي أمامك وتكون في قمة الفرح عندما ترى الستوبات حمراء وهذا يعني أن الطابور سيتحرك ولو مسافة قصيرة إلا أنه تقدم بحد ذاته يقربك أكثر من المحطة لتعبئة البنزين الذي يصبح الأمل الوحيد في هذا اليوم إذ أن وصولك إلى محطة البنزين لا يكفي بل عليك تحقيق الهدف وهو تعبئة البنزين. وعند إنتهاء هذه المهمة تشعر بنشوة عارمة فقد حصلت على البنزين لفترة زمنية محدودة لتعاود نفس العملية مرة ثانية وثالثة ورابعة قريبًا.
اليوم السبت في 11 أيلول 2021 وقفت في الطابور قرابة ثلاث ساعات ولم أتمكن من تعبئة البنزين فقد توقفت المحطة عن التسليم.
المواطن يقلع شوكه بيديه ولا من يسأل عنه أو يرعاه. هم تقاسموا الحصص وتركوا للمواطن حصص الذل والتعتير. اللهم انتقم من الظالمين.