بعد أعوام من تفشي الفساد ونهب الأموال الخاصة والعامة وهدر موارد الدولة وتقاسم خيرات البلد واستنزاف مليارات الدولارات الذي قلّص من حجم الاحتياطي الإلزامي، أعلن مصرف لبنان عن عدم قدرته على الاستمرار في سياسة الدعم المباشر للسلع الحيوية كالمواد الغذائية والدواء المحروقات طارحاً إصدار بطاقات تموينية كإجراء تعويضي من أجل مساعدة الأسر الأكثر عوزاً، تمنحهم فيها حق الحصول على السلع الاستهلاكية الرئيسية بسعر صرف منخفض.
ومع إصدار قرار رفع الدعم يكون المركزي بذلك قد رمى كرة تنفيذ المشروع في ملعب حكومة تصريف الأعمال التي وضعت الملف في درج الإهمال والنسيان لمدة طويلة إلى أن جاء اجتماع بعبدا المفاجئ قبل ساعات قليلة من إعلان المصرف المركزي قراره بالتوقف عن الدعم الكلي للمحروقات، إذ ليس من مصلحة السلطة الموافقة على هكذا قرار من دون إيجاد حل بديل نظراً لما سيرافقه من موجات غضب وتداعيات خطيرة على اللبنانيين. فأين أصبح المشروع النهائي للبطاقة التموينية؟
في 18 آب 2021، قامت وزارة الاقتصاد والتجارة بمراسلة البنك الدولي كخطوة تمهيدية طالبةً منه تقديم مساعدة تقنية من أجل تطبيق مشروع البطاقة التمويلية لمساعدة الأسر الفقيرة. فأتى الردّ من المدير الاقليمي للشرق الأوسط وأفريقيا في البنك، ساروج كومار جاه، مبدياً استعداد البنك الدولي دعم الوزارة والحكومة اللبنانية في تنفيذ المشروع عبر حشد فريق من الخبراء والاختصاصيين مقترحاً إطار عمل مشدّد قبل السير في تقديم الدعم يطلب فيه:
- التعاون الوثيق بين برنامج البطاقة التمويلية وبرنامج شبكة الأمان الاجتماعي في حالات الطوارئ، على أن يسير المشروعان يشكل متواز ومتناسق.
- ضرورة وجود استراتيجية اتصال واضحة وحصرها مع قنوات محددة موافقة عليها من قبل لجنة الإشراف بحيث لا يتم إجراء أي اتصالات خارجية من دون موافقة اللجنة المشرفة.
- تكليف فريق عمل على درجة عالية من التأهيل والتخصص للعمل مع اللجنة العليا على تطبيق برنامج البطاقة التمويلية.
- إخضاع برنامج البطاقة التموينية لرقابة خارجية مستقلة خلال فترة التنفيذ من أجل كسب المصداقية أمام الشعب اللبناني.
- إشراك جميع أصحاب المصلحة في عملية تصميم وتنفيذ برنامج البطاقة التمويلية لضمان معايير الشفافية في تحديد الفئات المستفيدة من البطاقة.
- تضمين مخصصات البطاقة التمويلية بشكل رسمي في موازنة الدولة العامة ضمن إطار متوسط المدى للمالية العامة الكلية.
وبالرغم من أن هذه الشروط ليس شروطاً تعجيزيةً، إلا أنها صعبة المنال في ظل الأزمة التي تعصف بلبنان. فطريق تمويل البطاقة التموينية لن يكون سهلاً ومعبّداً، خاصة وأن أي دعم مالي من قبل المجتمع الدولي والدول المانحة هو رهن تشكيل حكومة إنقاذ جديدة قادرة على النهوض بالبلاد ومكافحة الفساد وإجراء الإصلاحات المطلوبة، فالمساعدات مقابل الإصلاحات وإلا لا تمويل ولا دعم.
تواجه البطاقة التموينية، بالإضافة إلى شروط البنك الدولي المتعلقة بتأمين التمويل، تحديات لوجستية تكمن في غياب قاعدة بيانات الأسر المستحقة للدعم والعاجزة عن تأمين قوتها اليومي، حيث تتضارب بيانات الأسر الفقيرة بين الأرقام الرسمية وأرقام المنظمات الدولية، فضلاً عن تخوف الكثيرين من استخدام البطاقة في دهاليز السياسة واستغلالها من قبل القوى والأحزاب السياسية وتحولها إلى بطاقة سياسية رابحة مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية.
أمام كل هذه التخبطات التي تشهدها آلية تمويل وتنفيذ مشروع البطاقة، يشكل الإصرار على رفع الدعم من دون الإسراع في دعم الأسر والأفراد الفقيرة تهديداً بكارثة اجتماعية مع تفاقم الأعباء الاقتصادية والمالية واستمرار اعتماد الحلول المؤقتة والترقيعية التي لم تعد تجد نفعاً. فحتى اليوم تبقى البطاقة التموينية مجرد حبر على ورق بانتظار كيفية تمويلها وتنفيذها وتوزيعها بشكل عادل على مستحقيها، وما إذا كانت السلطة ستنجح في تشكيل حكومة تكسب ثقة المجتمع الدولي أم أن الفشل المستمر سيبقى عنواناً لها… لتبقى العبرة اليوم في التشكيل والتنفيذ.