لا تضيعوا البوصلة، تعالوا نقرأ الحدث الأفغاني علنا نتبين أكثر واقعنا.
الخروج الأميركي هذا الصباح من كابل أشبه بالخروج الأميركي عن سطح السفارة الأميركية في سايغون قبل نحوٍ من نصف قرن!
الإنسحاب الذي وصفه ترمب بالمعيب داعياً بايدن إلى الاستقالة، سوف يستكمل بانسحابات من كل منطقة الشرق الأوسط. في العمق أنفقت الإدارات الأميركية على حروبها ما بعد 11 ايلول 2001 نحو 6 تريليون دولار وكفى، هناك التحدي الصيني وهناك صعوبة الخروج من كارثة “كوفيد 19″، وهناك في أقل تعديل مشروع أميركي لم ينجح، وإذ الحصيلة عودة طالبان إلى كابل ما سيعيد التأسيس لمرحلة اشد اضطراباً تجاه الجوار الأفغاني وأبعد أبعد منه!
لكن مطلوب الكثير لرؤية التأثيرات في المنطقة وعندنا، فهناك أكثر من سباق من تونس إلى الخرطوم وقبل ذلك القاهرة إلى متغيرات في السعودية والخليج عموماً! غير أن التحدي الأكبر سيأتي من البوابة العراقية، وكثيرة هي العواصم التي ينبغي أن تكون في صدد إسقاط التعويل على أي غطاء أميركي..لنطوي كل الكلام عن الديموقراطية وحقوق الإنسان والتعفف، إن العالم مصالح والعالم يتبع مصالحه وإن تولى عملية ترويج لأفكار وبيع لأوهام عن رؤى سياسية أخرى. كل سيطرة خارجية لن تترك إلاّ الفساد والهريان وتتحول هذه السيطرة إلى دور حماية الفساد والاستفادة من استمرار الفاسدين!
طيب، الدرس اللبناني من السيطرة السورية إلى السيطرة الإيرانية المقنعة، هل تقول ما هو مغاير؟ أبداً التخلي عن السيادة أدى إلى فسادٍ فلكي، فهناك منظومة أشرار من الفاسدين التابعين للخارج الذين صنعهم وفرضهم، تحكموا بالرقاب وكل هدفهم أن تتيح لهم تبعيتهم الفرصة للإستيلاء على الأموال العامة والخاصة؟ ألم يحصل هذا الأمر في لبنان؟ وعلى أوسع نطاق؟ وألم يرتكبون الكبائر حتى القتل والإبادة الجماعية؟ وماذا نعتبر جريمة الحرب في تفجير المرفأ وبيروت في الرابع من آب 2020 وجريمة التليل العكارية في 15 آب 2021! كل ذلك إلى أين يقود؟ وهل يتنبه البعض أن العالم ليس منظمة خيرية وما من جهة ستشرف لتقتلع الفساد وتسلم البلد للأطهار؟ اليوم يكمن التحدي الحقيقي داخلي في إمكانية بناء ميزان القوى الذي يعكس إرادة الأكثرية ورغباتها، فلا تضيهوا البوصلة في حكايا الفيدرالية ورغبات التوجه نحو المجتمع الدولي وقوى خارجية بعينها! سيكون هاجس الخارج تأمين أقل من الحد الأدنى لتلافي التأثير السلبي خارج حدود البلد وهذا لا يفضي إلى التغيير المنشود الذي رفعت شعاره ثورة تشرين وحددت ضرورة إقتلاع منظومة الفساد، لا بل البناء الداخلي لمعارضة معبرة عن وجع الناس، يمكن أن يوفر الإمكانية الجدية للإستفادة من أي دعم خارجي، وهنا دور الجاليات اللبنانية في الخارج، في كل المغتربات، محورياً في دعم منحى عزل منظومة الفساد وتسريع إقتلاعها!
وبعد، هل الحكومة الميقاتية على الأبواب؟ أم أن حديث نصرالله العلني ليلاً سيمحوه نهاراً تجدد محاولات عون باسيل الاستئثارية؟ الحديث العلني مغاير لكل ما سبق، ويشي أن منظومة الحكم، وقائدها الفعلي،لم تعد قادرة على تصريف الأعمال من خلال حكومة الدمى، ولا مع محاولات الحكم الرئاسي التي لجأ إليها عون، عندما أصبح المجلس الأعلى للدفاع مركزاً للقرار بعد إغتصاب صلاحيات مجلس الوزراء وما حمله ذلك من تكريس لبدعة جديدة في الممارسة السياسية! يبدو أنهم وصلوا في منحى الاستنزاف إلى آخر الطريق وقد لعب كارتل المحروقات ( مع الكارتلات الأخرى مثل المصارف والدواء ..) المطلوب منه في توجيه السياسات العامة لتداخله القوي مع المنظومة السياسية التي لا أولوية عندها على السمسرة ومد النظام السوري بالأوكسيجين النفطي على حساب اللبنانيين المتروكين إلى مصيرهم! ويمكن للحكومة الميقاتية برمجة المطلوب مع تلافي فجاجة محاولات القصر – باسيل الإستئثار بالمواقع والقرار والثلث المعطل!
كشفت الممارسة الإحتكارية عن مخاطر ناجمة عن فساد مريع سيكون من الصعب التعامل معه بدون حكومة جديدة، فمن الحقائق اللافتة، أنه تبين كم هو كبير عدد “الحجاج” المحتكرين للمحروقات، ولا أجوبة من حزب الله ل”بيئته” على ذلك! وبينت المصادرات التي تمت على أيدي الجيش أن كل المحتكرين ينتمون إلى أحزابٍ وتيارات سياسية يتقاسمون مع “النخبة” السياسية الصفقات والسمسرات والأرباح غير المشروعة! وقد تم تحويل البلد من شماله إلى جنوبه مشاريع تفجيرات متنقلة على غرار ما جرى في التليل العكارية! وكشف الهريان عن اتساع شقة الخلاف داخل المنظومة السياسية مع اتساع مطالبة عون بالاستقالة فلا بديل من ضب الوضع في حكومة “وحدة وطنية” تحمل عنوان الإختصاص الكاذب وإن على زغل!
الحكومة الميقاتية إن تشكلت في الأيام القليلة جداً الآتية، هي عودة لما قبل “17 تشرين”، هي استنساخ لحكومات أوصلت البلد إلى هذا الانهيار وليست لا حكومة إنقاذ ولا إصلاح، بل سعي لتجديد النظام الزبائني حتى يكون متاحاً تجديد شرعية منظومة الفساد من خلال الانتخابات البرلمانية! ولأنها ستكون كذلك بدأ تركيب العضلات الأمنية ضد الناس، وخصوصاً ضد المحتجين على الفساد ولا سيما المتمسكين بالحقيقة والعدالة لضحايا جريمة تفجير بيروت كما جريمة التليل العكارية. “البطولات” التي مورست ضد الفتى وليم نون ورفاقه ومنهم ما زال موقوفاً حتى كتابة هذه الأسطر، قد نشهد الكثير منها، وأمام الناس بيان القوى الأمنية من أنه سيتم توقيف كل من يعتدي على ملكية خاصة، والمقصود حماية السياسيين الفاسدين ليس إلاّ.. وأمامنا ما هو أخطر ! والأخطر ما قيل في جلسة المجلس الأعلى للدفاع!
طبعاً لم يعد المواطن اللبناني ينتظر من مسؤول أي إعتراف بالخطأ، ولا ينتظر أي إعتذار أو تعزية، ولا شجاعة تحمل المسؤولية والاستقالة أمام هول الجريمة ..لكن والأهالي يجمعون أشلاء الضحايا والمستشفيات عاجزة عن تأمين الأدوية للعلاج، وُجدت الوقاحة والخبث للتنصل من المسؤولية عن الجريمة النكراء، بالذهاب إلى شيطنة عكار واتهام الضحايا بالحديث عن “الجماعات المتشددة”!
الكاهن خال ضحية فوج الإطفاء جو نون، قال أمس من وسط الشارع لن نسمح لهم أن يتهنوا بالكهرباء وبرودة المكيفات وأولادنا تحت التراب. سنلاحقهم حتى يدفعون الثمن وتعلن الحقيقة، وينتهي زمن الإفلات من العقاب. نعم كل النضالات الآن، يجب أن تتكثف لتعرية المنظومة السياسية، وعزلها وإقصائها عن الحياة العامة، حتى تكون أي حكومة ستؤلف تحت وطأة الناس وحقوقهم وليس عالة عليهم لاستكمال إجرام الحكومة الذيابية! أما حكاية الأملاك الخاصة اطلعوا منها فبعدما سرقتم الودائع وبعد جريمة الرابع من آب لن تتمكنوا من الإفلات من عقاب الناس والآتي قريب!