سوليكا علاء الدين – إنه يوم الثلاثاء، شمس الرابع من آب اللهاب التي حزمت حقائبها واستعدت للمغيب، فانساب ذهب أشعتها وفاض بريق ألوانها، ململمة نورها من أجل الرحيل. لم نكن نعلم في اليوم المشؤوم هذا، أنّ شمس بيروت ستغيب وسيحجب نورها بانفجار هزّ كياننا وعصف بوجداننا ووصلت أصداؤه إلى قلوب جميع اللبنانيين..
هي لحظة توقف فيها الزمن وتجمّدت عقارب الساعة عند السادسة والثماني دقائق، ومعها توقفت نبضات قلوبنا، معلنة الموت لمدينة تنبض حياةً وفرحاً وحباً وتعبق عطراً ورونقاً وأملاً وتشع نوراً وجمالاً ووهجاً.. لحظات مجرمة مخيفة، حولت بيروت إلى ساحة دمار ورماد وجعلت منها مدينة منكوبة، تملؤها سحب النار والدخان، تفوح منها رائحة الدم والموت، تئن ألماً ووجعاً وترثي أهلها وأبناءها.
بين الرابع من آب ٢٠٢٠ والرابع من آب ٢٠٢١، عام على تدمير وطن وتفجير قلبه النابض وقتل شعبه الموجوع وكأنه البارحة، وما زال الجرح ينزف وما زالت العيون تبكي وما زال القلب يدمي. كلنا متألمون، كلنا حزينون، وكلنا مصابون بهذا الانفجار سواء كنا قريبين أو بعيدين، فمن لم يدمر منزله دمّر قلبه ومن لم يفقد غالياً فقد فرحه. مخطئ من ظن أننا نسينا، أو أننا قادرون على النسيان، فالوجع لن ينتهي والحزن لن يغيب والجرح لن يندمل، ندباته ستعيش معنا في أعماق ذاكرتنا وقلوبنا وسترافقنا في أبسط تفاصيل حياتنا وأيامنا مهما توالت الأيام ومرت السنون.
عام مضى وما زلنا نسأل من فجّرك يا بيروت؟ من قتل أهلك؟ من دمّر منازلك؟ من أحرق جسدك؟ من شوّه وجهك الجميل؟ من أوجع قلبك؟ من أبكى مقلتيك دمعاً ودماً؟
كم هو مؤلم وموجع ما حلّ بك يا بيروت، كم أننا ضعاف تائهون، أيتام مشردون، وأحياء ميتون من دونك.
عذراً بيروت، يا ست الدنيا يا من جمالك يخيفهم، وسحرك يرعبهم وأناقتك تزعجهم… إنّه قدر الجميلات أن يدفعن ثمن جمالهن وحسنهن، لكن مهما ازداد حقدهم واشتد كرههم وعظم غدرهم ستبقين كما عهدناك أيقونة الجمال ولؤلؤة المتوسط ومنارة الشرق وعاصمة الأناقة، ستبقين بيروتنا وأمنا وحبيبتنا وجميلتنا التي لا تركع ولا تموت.
عذرا بيروت، فنحن اليوم لا نملك إلا الصلاة والدعاء، وكلنا إيمان ويقين بأنه مهما طال ليل الظلم والقهر، سوف ينجلي سواد هذا الليل، وستشرق شمسك من جديد لتشع حقاً وحقيقةً وعدلاً، فإذا كان للظلم جولة فللحق جولات.
في يومك المفجع يا بيروت، سلام لأرواح عانقت السماء
سلام لقلوب فقدت أحباء وأعزاء
سلام لأرض ارتوت دمعاً ودماً
سلام لمدينة سيبنت ترابها سنابل فجرٍ وأمل.