عامٌ ثقيلٌ مرّ يا بيروت، لا الجرح التأم فيه ولا بانت للحقيقة خيوط تثلج صدور المتعبين… عامٌ كاملٌ يا بيروت ولم يكف للثكالى دمعٌ ولا للأرامل شوقٌ ولا للأيتام رجاء…
تأتي الذكرى الأولى هذا العام في ظلّ اعتى الأزمات وأشدها على اللبنانيين، تأتي مصاحبةً أكبر موجة هجرة من البلد منذ عهد العثمانيين!
تحُلُّ، والإحباط يسكن الناس قاطبةً، ينامون على وسائد الحزن والهمّ يقض مضاجعهم، يئنون ويكظمون دمعًا ما عاد يسيل من المقل بسهولة، فكل ما شهدوا وسيشهدون لا يناظر الرابع من آب مشهدًا ولا المرفأ دمارًا ولا بيروت صدمةً، كل مواقيت الحزن عندهم ولو اجتمعت لن توازي السادسة والدقيقة السابعة من عصر ذاك اليوم المشؤوم والليلة الدموية!
ظننا يا بيروت ساعتها أنه غضب الله قد حلّ علينا، ظننا أن القيامة قد قامت، ظنّ أهلنا عندها انه زلزالٌ ثامن سيفعل كما فعلت الزلازل السبع ببيروت لتقلبها رأسًا على عقب، كلٌّ منّا ظن حدّ مخيلته وفهمه وادراكه، انما لا أحد يا بيروت ظنّ أننا كنا مستهدفين! أننا كنا نقاتل بالاهمال وبأسلحةٍ كيمياوية، ولم نفهم بعد أي جنس البشر هذا من استطاع أن يبقي أطنان من الدمار الشامل في مدينة السلام، أي حاقدٍ هذا لم تخالط الرحمة طينته، أي دونٍ هذا شمت فينا وبانت أنياب شره بارزةً، أي ضميرٍ رخيصٍ باعه بسعر البخس وقايض عليه أرواح الشهداء وكرامة مدينة منكوبة!!!
نحسد الشهداء الذين رحلوا عن تلك الدنيا وعن هذا الوطن، نحسدهم و نحسد أرواحهم التي فاحت، تعود الى ربٍّ عادلٍ تشهد على مقتلةٍ وتشكو الى الله مواجعنا وترتاح، وتبقينا نحن نموت كل يومٍ ألف مرة، نحسد دماءهم التي سالت على الارض لتطهرنا من نجس حكامٍ وقتلة، نحسد أجسادهم التي تمزقت لتجمع شعبٍ تشتت، نحسدهم لم يشهدوا بيروت ممزقةً لم يشهدوا بيروت مدمرةً ولا مرفأها المشلع، لم يروا كيف حملناهم، كيف بكيناهم، لم يذوقوا غصة قلوبنا كلما شاهدنا صورهم! وكلما بكتهم أمهاتهم! كلما مررنا من جانب المرفأ وشخصت أعيننا نحو ذاك الدمار العظيم والجريمة الأعظم!
نحن نعلم أننا لن نحفظ أسماء ال207 شهداء ولا ال5000 جريح لكن بالتأكيد سنحفظ ونلقن أبنائنا أسماء القتلة والمجرمين، سنلقن أولادنا في كتب التاريخ عن أسوء عهدٍ وأسوء حكام، عن شريعة الغاب التي سادت، عن جبن وتخلف المسؤولين وتلطيهم بحصاناتٍ وهمية لن تردع عنهم غيظ شعب كاملٍ يحترف الغضب!
سيكبر الغيظ فينا كلما مرّ عامٌّ ولم تنجلي فيها الحقيقة، سيكبر الحقد فينا كلما مررنا بالجميزة ورأينا تراث مدينتنا المدمر، سيكبر الغضب فينا كلما روا أطفالنا خوفهم من الصوت العظيم وكلما رسموا الأهراءات المدمرة في دفاترهم وأوراق الرسم، كلما رأينا مشافينا مدمرة، سنلعن قاتليكم مع هزيم الرعود ولمع البروق ومع كلّ ما قد يذكرنا بالصوت العظيم، سنعلق مشانقهم في الساحات، سيتجرعون كأس الموت الذي قد أسقونا أياه!
الرابع من آب يوم استشهد من استشهد وجرح من جرح ودمر ما تدمر، الرابع من آب يوم اضطرب ملايين اللبنانيين نفسيًا وتعاطينا عقاقير الأعصاب، يوم أتتنا شعوب الأرض تلهف للمساعدة..
الرابع من آب 2020، يوم نفذوا ببيروت حكم الذبح من الوريد الى الوريد قربانًا لأبالستهم!
لكن خابت يوم ذاك يا بيروت سكينهم…