على مسافة 7 أيام من الذكرى السنوية الأولى لجريمة تفجير بيروت، يواصل الكارتل السياسي – القضائي – الأمني المتحكم بالبلد، إقفال الأبواب أمام التحقيق العدلي ومحاصرة القاضي طارق بيطار، والهدف إسقاط الحقيقة ووضع اللبنانيين أمام متسلطين يحددون هم العدالة المسموح بها!
وفوق ذلك تبدو أولويتهم إعادة إنتاج نفس المنظومة التي تسببت بالكارثة، فمع تكليف ميقاتي، والمعروف أنه في زمن حكومة “القمصان السود” التي ترأس دخلت السفينة “روسوس” إلى مرفأ بيروت حاملة شحنة الموت، وفي ذلك أكثر من رسالة عشية الرابع من آب، وقد تظهر أن هاجسهم خلف كل ما يقومون به هو عودة عقارب الساعة إلى ما قبل “17 تشرين” بالسعي لمنع أي تغيير مستقبلي. نعم ستكون أولى هواجس ربيب حاضنة النظام السوري السعي لإجراء انتخابات يراهنون عليها كرافعة تعيد تعويمهم!
وبعد، وقبل الحديث عن مسار التأليف بعد التكليف، خطير جداً القرار الذي اتخذه النائب العام التمييزي بالإنابة، غسان الخوري، الذي رفض منح الإذن إلى قاضي التحقيق العدلي بملاحقة اللواء عباس ابراهيم. بداية قال الخوري أن “لا سلطة له للبت بالخلاف بين النيابة العامة التمييزية وقاضي التحقيق العدلي، ولا قدرة على الحكم بينهما”..ليضيف الأمر الأخطر وهو قوله أنه “لم يجد ما يؤدي إلى الشبهة بارتكاب اللواء عباس ابراهيم لأي جرم”.. وببساطة تجاوز دوره من دراسة الطعن بقرار وزير الداخلية ومنح الإذن الإداري، إلى الإيحاء أنه قام بالتحقيق، المفترض أنه في صلب مهمة القاضي بيطار، وتوصل إلى تبرئة المدعى عليه بجرم جنائي! وانطلاقاً من وحدة المعايير من غير المتوقع منح الإذن بملاحقة المدير العام لأمن الدولة اللواء طوني صليبا!
من البرلمان إلى القضاء، تتواصل الضغوط الهادفة لطي التحقيق، ومحاولات إحباط قاضي التحقيق العدلي، الذي يملك الكثير من الخيارات، وأولها تجاهل ما ذهب إليه النائب العام بالوكالة غسان خوري لأن المسألة صلاحية إدارية محصورة بالنائب العام عويدات ولا يجوز نقلها..أما الحصانات النيابية فستكون بحكم الساقطة فور تشكيل الحكومة إن نجح نجيب ميقاتي في مهمته، وعندها لا يمكن وقف الملاحقة القضائية للنواب المشنوق وزعيتر وخليل، فيما لا حصانات لدياب وفنيانوس. لكن الثابت أن عريضة العار الموقعة من نواب النيترات باتت موضع جدلٍ نيابي، مع تتالي سحب التواقيع، وكان لافتاً قرار النائب ألبير منصور الذي وجه كتاباً خطياً بذلك قال فيه أنه التزم موقف أهالي الضحايا “الذين يفضلون المسار العدلي معتبرين أن مسار المجلس الأعلى قد يضيع حقوقهم”.. وعلى نفس المنوال تقدم سامي فتفت بكتاب خطي لسحب توقيعه، والكرة باتت بين أيدي الآخرين: سليم سعادة، ديما جمالي، عدنان طرابلسي ونقولا نحاس لاتخاذ الموقف المشابه!
في السياق، جاء موقف الحريري الذي سعى إلى تطويق الحملة التي اسهدفت موقف وكتلته من توقيع عريضة العار، فقفز إلى الأمام طارحاً مطلب إسقاط كل الحصانات. صحيح أن ما قام به في العمق محاولة ترقيع مخجلة لما قام به نواب من كتلته، فالموضوع ينبغي أن يبقى تحت الضوء لإسقاط كل الحصانات بدءاً من رئاسة الجمهورية، والتأكيد أن لا حصانة تفوق حصانة الدم، لكن في نفس الوقت سيكون الحريري مطالب اليوم قبل الغد بسحب تواقيع كتلته عن العريضة وإلاّ “ليبل مناورته ويشرب ميتها”!
ولأنهم يمضون في نهج الإيغال بالدم، وفبركة المزاعم ورش التهم ضد قاضي التحقيق والتشكيك بنزاهته، والتلطي خلف الحصانات، ينبغي أن نكون كتار في يوم الرابع من آب، يوم الإصرار على الحقيقة والعدالة ويوم التمسك بمطلب إسقاط سياسة الإفلات من العقاب. من كل لبنان ينبغي أن نلتقي في الرابع من آب في المسيرات التي ستنطلق من أكثر من جهة في بيروت وتلتقي في ساحة الشهداء وعلى مقربة من البرلمان الفاقد للشرعية، لأن المعركة باتت أخلاقية أولاً، ولا بديل من أن يفرض الشعب اللبناني إرادته بإخضاع كل المرتكبين الفاسدين للقانون والمحاسبة، كي يتغلب الصالح العام ويخطو البلد على طريق استعادة الدولة والمؤسسات وحكم القانون، لأنه بذلك فقط يتم تكريم ضحايا الرابع من آب!
وبعد، اجترت منظومة الفساد نفسها وكلفت نجيب ميقاتي بأكثرية 72 صوتا، بينهم نواب عريضة العار، تشكيل حكومة جديدة بعد سنة من الفراغ، رفضت خلالها الطبقة السياسية الاستجابة إلى مطالب اللبنانيين تشكيل حكومة مستقلة تستطيع أن تحوز الثقة وتستطيع تحمل وزر الخطوات الآيلة لانتشال البلد. ميقاتي الذي يواجه دعاوى قضائية بالفساد والعلامات الكبيرة حول إسمه، بدا مرتاحاً لدعم خارجي تلقاه ومظلة نادي رؤساء الحكومات وكأنهم مثال النجاح والنزاهة، إلى دعم حزب الله الجهة التي تغولت على الدولة والتي تتحمل المسؤولية الكبرى عن الانهيارات العامة وعن اختطاف الدولة واستتباع البلد!
ففي لحظة نشوة بعبدا – البياضة بإسقاط تكليف الحريري، وهو أمر يعادل الانقلاب على الطائف والدستور، لأن فيه كسر التفويض النيابي، بدأ ميقاتي سريعاً البحث مع عون بتركيبة من 24 وزيراً وفق مبادرة بري والإطار الذي وضعه نادي رؤساء الحكومات، والتقدم الفعلي سيكون حتما رهن موقف حزب الله. فالحزب الساعي لحكومة يتلطى خلفها، كي يبتعد عن واقع تحميله وزر الانهيارات، بين يديه لجم الجنون العوني ووضع حدٍ للمطالب التعجيزية لجبران باسيل..خدمة لأولوية يتشاركون فيها وهي الإسراع بخطوات يرون ضرورتها لإعادة إنتاج نظام المحاصصة الطائفي وتطويق 17 تشرين! التحدي يرتفع والمهام تتضاعف، وليكن الرابع من آب وما سيليه العنوان لمرحلة جديدة في المواجهة مع منظومة الفساد لتدفيعها ثمن ارتكاباتها!