قدم حالة نوعية الفوز الكبير والصريح الذي حققه النقيب عارف ياسين ورفاقه، في انتخابات نقابة المهندسين، التي تحتل موقعاً كبيراً مؤثراً في البلد ، ليشكل علامة مضيئة في مسيرة “17 تشرين” لاستعادة الدولة المخطوفة، واستعادة حقوق اللبنانيين وحماية الحقوق والكرامات! وكان من الطبيعي جداً أن تعم احتفالات الفوز كل لبنان، وبالأخص بيروت، بعدما نجحت “17 تشرين” بإلحاق الهزيمة بمنظومة الفساد والإجرام مجتمعة!
المشهد واعد! النتيجة تأكيد على أن شعلة ثورة تشرين لن تنطفيء، والطوفان الشعبي التشريني كامن وليس من الماضي، وكلما أُتيحت له الفرصة سيتقدم بثبات على طريق كنس إحتلال المافيا الطائفية المتسلطة للبلد والتي ارتهنته للخارج !
نحو 6 آلاف مهندس من أصل 8842 مقترع قالوها مدوية لنا عليكم حقوق وسننتزعها:
نحن أصوات لؤلؤة العواصم بيروت التي فجرتموها ولم يرف لكم جفن، وكلكم كنتم تعلمون الحقيقة وتشاركتم الأدوار في حراسة وسادة موت زرعتموها تحت رأس العاصمة وأهلها!
نحن اصوات ضحايا الرابع من آب الذين تحاولون اليوم قتلهم مرة ثانية، من خلال التفاف نيابي إجرامي على العدالة، لتكريس سياستكم في الإفلات من العقاب، وعليكم أن تتأكدوا: نحن أصوات الكسندرا نجار والياس الخوري وكل الضحايا الذين قتلوا بدم بارد، ومنهم أيضاً جوزيف سكاف ومنير أبورجيلي وجو بجاني ولقمان سليم !
نحن العيون التي فقأتموها عمداً لأنها تحدّت مخرزكم طلباً للعدالة، ونحن قبضات الثورة التي تباهيتم بحرقها وتكسيرها، ونحن خيم النقاش والبحث وتشريح مثالب نظامكم، “نظام المحاصصة الطائفي”، فانقضضتم عليها وأشعلتم فيها النار لخوفكم من الكلمة وأن تتحول الفكرة كرة ثلج تجرف إجرامكم!
نحن صوت جنى أعمار الناس، وفلس الأرملة، التي وضعتم عليها اليد وتمعنون في حماية كارتل مصرفي يذل مواطنينا! ونحن صوت المرمين حول محطات الوقود، والباحثين عن حبة دواء والذين يقاتلون من أجل الرغيف، وأنتم تنفذون أخطر قرار “جيواسترايجي” بنقل الثروة من لبنان إلى خارجه لتصعيب استعادة الدولة وقيامة البلد، وتسهيل الهيمنة الخارجية عليه!
الحدث، حجر أساس يقول الكثير، والأهم أن طريق التغيير مفتوح رغم الصعاب، وعليكم البحث عن وسائل أخرى غير حرب الشائعات البذيئة والتحريض الطائفي، فما حصل في “17 تشرين” هو أن أكثرية اللبنانيين غادروا الانقسامات الطائفية كما غادروا الكنتونات المناطقية، وحّدهم ظلمكم وإجرامكم فأنتم سببب اوجاع الناس ومعاناتها، ولن تتمكنوا من سربلتهم مجدداً بالقيود، ويكاد النظام الزبائني عموماً يصبح رمز سواد ماضيكم أما الناس فستصنع حاضرها وغدها!
وبعد، ينبغي التوقف دوماً أمام الأرقام ومحاولة القراءة في الدلالات المتأتية عنها. في هذه الانتخابات تدنت نسبة المشاركة عن أي انتخابات سابقة. ففي آخر انتخابات نقابية قبل أربع سنوات اقترع اكثر من عشرة آلاف من أصل نحو 41 ألف مهندس يحق لهم التصويت، فيما اقترع بالأمس 8842 فقط من أصل نحو 48 الفاً ممن سددوا الاشتراكات ويحق لهم التصويت. فبربكم لا تحدثوننا عن الهجرة، فهجرة ما قبل “17 تشرين” ربما تفوق ما بعد جائحة الكورونا.
إن العنصر الأهم هو الانفكاك عن القوى الطائفية، فبرز عجز الأحزاب المتسلطة عن استعادة ما كان يعد جمهورها وقوتها. فبعد التجييش والتحريض وكل ما لدى المنظومة من إمكانات لم يحوزوا كقوى طائفية متحكمة بالبلد منذ أكثر من 3 عقود إلاّ على ما نسبته نحو 35% من الأصوات. إنها الصورة لوضع بات سائداً على كل المستوى الوطني من ابتعاد عن منظومة المحاصصة والفساد. والأكيد أن النهج الذي اتبعه الحكم وحزبه القائد، طيلة الأشهر ال19 على بدء الثورة، وما تخلله من إمعان في الإذلال وإدارة الظهر للمصالح الحقيقية للبلد والمواطنين، والإصرار على إعادة استنساخ نظام الحاصصة أورث هذه النتيجة، لكن يبقى السؤال لماذا لم يحدث الانتقال بشكلٍ كامل وترتفع نسبة الاقتراع وتالياً يشتد الطوق أكثر فأكثر على المنظومة الفاسدة؟
سيمر الكثير من الوقت لفكفكة الكثير من الأمور التي قدمت مشهد الامتناع عن المشاركة في الإقتراع. نعم هناك الكثير من الأوساط غادرت التزاماتها السابقة ولم تنتقل بشكلٍ أوتامتيكي إلى المستوى النقيض، لأن الطبيعي أن نسبة الاقتراع ما كان يجب أن تقل عن نحو من 15 ألف ناخب! هل خلف ما حدث معطيات لم تسمح بأن تبلور الرؤى الكافية للموقع الذي ينبغي ان يستعاد، مع استعادة النقابة إلى دورها الريادي، وهل كان هناك بعض التسرع في مكانٍ ما في تقديم البدائل الأقدر على إدارة نقابة على تماس مع نحو 70 % من الثروة، ومؤثرة جداً في عملية انتشال البلد ومنع تبديد إمكاناته وقدراته..الأسئلة كثيرة ويطرحها خصوصاً حالة من الاعتكاف التي سادت لدى كتل هندسية جامعية أنشطة إعمارية، استوقفها أداء كارتل حزبي داخل تكتل “النقابة تنتفض” له ما له وعليه ما عليه، وإن صح ذلك فالأمل أن تزيل الممارسة اللاحقة للنقيب ومجلس النقابة أي شائبة، فقوة النقابة اليوم أن تجعل الجسم الهندسي كقوة نوعية في قلب معركة التغيير.
هنا يستوقف المتابع بعض التصريحات وارتجال المواقف واستعجال التوظيف. طبعاً الحدث كبير ومهم جداً كخطوة في مسار، لكن اعتبار الأمر خطوة في مشروع السيد شربل نحاس( الوزير السابق من الحصة العونية) تتيح له العودة الآن إلى مقاعد الحكم، أمر آخر، فهو اعتبر “الفوز فصل من فصول قلب ميزان القوى وفرض التفاوض على انتقال السلطة” ولم يخبرنا مع من سيتفاوض وما موقفه إن رفضوا، ليقول أيضاً: “جاهزون للمبادرة ولتحمل المسؤولية لإدارة المرحلة الانتقالية”..، كلام فيه إلى الكثير من الأوهام والكثير من القصور عن تقديم رؤية حقيقية، والأكيد أن بقية الكارتل قد لا يشارك النحاس ما ذهب إليه وإن كان بعضه يعتبر أن المسألة ستنعكس بشكل أوتوماتيكي على الانتخابات النيابية، فإن الأمر الأخطر يكمن في تحميل نقابة المهندسين أوزاراً لا ناقة لها بها ولا جمل، وأيضاً خطر محاولة السلبطة على موقف النقابة ودورها!
البلد ككل أمام لحظة انتصار هامة تستدعي التحسب جيداً ووضعها في سياقها الحقيقي..ومن المبكر جداً أن يظن بعضهم أنهم في موقع مرجعية التغيير وقيادة الثورة، وكل برنامجهم التغييري متواضع قاصر ولا يتجاوز طرح بعض عناوين الإصلاح الذي لا تقيم وزناً لواقع ودور السلطة الفعلية راهناً..الأكيد أن الحدث يفترض بحثاً وتمحيصاً، خصوصاً وأن هناك فئة اجتماعية مؤثرة انتقلت من ضفة إلى أخرى، في أصدق تعبير عن أن حالة التغيير باتت هي الأوسع، وأن الهوة تتسع بين منظومة الفساد (بكل أحزابها وقواها الطائفية وحزبها القائد) والنخب المؤثرة في المجتمع، وهذا الأمر يبنى عليه لبلورة مهمة إطلاق عمل سياسي منظم ميداني أفقي( أكثر من عمل) يمكن أن يكون أحد الروافد المطلوبة لتكوين رافعة لجبهة سياسية معارضة تبلور ميزان القوى الحقيقي وتنتج البديل السياسي.
الطريق مفتوحة للمضي في نهج التغيير واستعادة الدولة المخطوفة، والاستعجال سيدفع ثمنه المستعجل بالتأكيد لكن الضرر سيكون كبيراً فلا تضيعوا البوصلة!