لأن استعادة نقابة المهندسين لدورها المهني والوطني أشبه بحجر الرحى في الارتقاء بمسيرة ثورة “17 تشرين”، وضعت القوى الجدية بين المهندسين على رأس أولوياتها مهمة توحيد كل القوى في قائمة واحدة، والبداية معركة الفروع والمندوبين، لكسر التحالف السلطوي الطائفي المتحكم الذي استتبع النقابة وسخّرها في خدمة ارتكاباته وتجاوزاته!
ولأن تجربة الشمال في انتخابات الأطباء والمهندسين ماثلة أمام الجميع، ويجب الاستفادة من دروسها وعِبرها، نبّهت هذه القوى وخصوصاً :”مهندسون مستقلون” و “الخيار المهني” ومعهم تجمعات مناطقية وجمعيات خريجين من خطورة الدور الذي تلعبه أحصنة طروادة داخل تجمع “النقابة تنتفض”، وهي أحصنة باحثة عن دور على حساب الهدف، بعضها يتقن السمسرة لأن تكون الانتخابات فرصة تؤهله لخوض الانتخابات النيابية، والبعض الآخر منها يتحكم بأدائه تورم مرضي. بوضوح كامل قالت هذه القوى كل الأوراق مكشوفة وكل الأحجام معروفة ولا سبيل للتذاكي والتشاطر وحملت كل الآخرين المسؤولية عن أي تفرد لأن الضرر الذي سينجم عنه قد لا يكون متاحاً إصلاحه وتعويضه. والإشارة واجبة أن التنبيه ركز على ما سيكون عليه أداء الشيوعي كما جماعة شربل نحاس الوزير السابق في الفريق العوني وسواهم!
ولأن الشيء بالشيء يذكر، من المفيد استعادة قراءة جورج حاوي لسبل وأطر التغيير، فما قدمه قبل أكثر من عقدين ما زال راهنا بحيث يقول: “إن التغيير الثوري لم يعد ممكناً أن يحصل من خلال الأطر الراهنة للتنظيم الحزبي”، وانطلاقاً من هذه القناعة استقال حاوي من مهاماته كقائدٍ للحزب الشيوعي، وشدد في حوار مع الصديق غسان شربل ( جورج حاوي يتذكر) أن “لا بد من تغيير جذري في منهج العمل الثوري وبرنامجه ووسائله وأدواته..لا يكون جامداً كما كانت برامجنا الفكرية والسياسية ولا عديم الهوية”. وتبعاً لهذه القناعة كان من الداعمين “لانتفاضة الاستقلال”، فيما أخذت القيادة الرسمية للشيوعي الحزب إلى المقلب الآخر: مقلب شكراً سوريا!
تدرج موقف الشيوعي ما بعد “17 تشرين” من المحاولات الحثيثة لتجويف شعار “كلن يعني كلن” واختصاره بشعار “يسقط حكم المصرف” بقصد تبرئة الجهة الأساسية الحامية لنظام المحاصصة وهي حزب الله، إلى شراكته العضوية في انتخابات أطباء الشمال مع القوى الطائفية المتسلطة التي دمرت البلد وأهله بعدما ارتهنته لمحور الممانعة، وكرر هذه الممارسة في انتخابات نقابة مهندسي الشمال، فكان جهاراً في المحور المعادي لمصالح اللبنانيين الذي عبرت عنه ثورة تشرين. الجهة صاحبة مثل هذا الرصيد ليست مؤتمنة على الشراكة مع قوى التغيير في انتخابات نقابة المهندسين في بيروت. وكل ما تسعى إليه مع شركاء لها من الواجهات القريبة لحزب الله هو “تقويض جهود توحيد لوائح المعارضة في انتخابات نقابة المهندسين مرحلة المندوبين والفروع في 27 الجاري” وفق الصورة التي رسمها المهندس عبدالله حداد عضو لجنة التفاوض في تجمع:”مهندسون مستقلون”.
مهمة استعادة نقابة المهندسين تسمو على ما عداها، وستبقى رائد القوى الجدية بين المهندسين، لأنها يمكن أن تكون الرافعة لثورة تشرين فتوفر القوة الضاغطة لكسر نهج السلطة تحميل وزر المنهبة والانهيارات الواسعة للمواطنين. وغني عن القول أن كل مواطن لمس على مدى الأشهر ال18 التي تلت قيام الثورة الأثر السلبي الناجم عن غياب حركة نقابية في صفوف قوى التغيير. ومن الانتخابات النقابية في طرابلس إلى انتخابات نقابة المهندسين في بيروت، تتظهر بقوة هجمة القوى الطائفية المستبدة لإبقاء المهندسين ونقابتهم خارج الدور المرتجى منهم وطنياً ومهنياً، ومقابل وحدة قوى السلطة، تقدمت أحصنة طروادة في محاولة لئيمة لكسر عملية التغيير من خلال نهج من الإقصاء والمكابرة الذي يهدد بإطاحة جهود التوحيد التي يبذلها: “مهندسون مستقلون” و “الخيار المهني” و “لنا النقابة المستقلة”، وما الخطوة المنفردة باسم “النقابة تنتفض” بإعلان ترشيحات منفردة عن الفروع إلاّ تذاكٍ وسعي لفرض أمرٍ واقع من جانب أطراف لا تريد الاتعاظ من تجربة الشمال الماثلة أمام الجميع.
وبعد، سيستمر فريق التفاوض مصوباً على خطر التحالف السلطوي الطائفي، وباحثاً مع الجديين الآخرين كيف يتحملون المسؤولية لانجاز الوحدة، ولن يتراجع عن هذا الهدف حتى اللحظة الأخيرة التي تسبق فتح صناديق الإقتراع، ومستعد للتضحيات لأنها تخدم قضية التغيير..لكن بضوء التفرد وسيطرة غرور بعض الجهات، أطلق هذا الفريق العمل لإعلان لوائح موحدة للقوى الثورية الحقيقية، لتخوض المرحلة الانتخابية الأولى للمندوبين والفروع، مع الانفتاح الكامل على التعامل مع أي تطور إيجابي من جانب مجموعة “النقابة تنتفض”.
في السياق، قدمت “المجموعة المهنية” في “الخيار المهني” باكورة ترشيحاتها للفروع والمندوبين ومثلها أعلنت ترشيحات من “المهندسين المستقلين”، والعنوان الأبرز خرق التقوقع الطائفي وخرق المحاصصة الطائفية للأنشطة الإنمائية والثقافية والاجتماعية..وتكوين رادع مهني في وجه الفوضى العمرانية والنمط الاستهلاكي السائد الذي يستنزف البيئة ويشوهها، إلى خلق قوة فاعلة يكون دورها محورياً في خطط التخطيط العمراني.
ويبقى أن هذه المعركة المحورية التي تخاض في جانب منها في قاعات المفاوضات، تخاض أساساً في كل لبنان، حيث ينتشر ألوف المهندسين في المدن والريف، وهم ككل اللبنانيين يتحملون وزر جرائم المنهبة وتلاشي السلطة والمؤسسات وارتهان الدولة، وموقعهم الطبيعي في مقدم قوى التغيير، فهم قوة ذات كفاءة مهنية وعلمية عالية، تم تقييد دورها وتحجيمه كجزءٍ لا يتجزأ من المخطط الإجرامي لفرض استتباع البلد.. فلا نضيع الوقت ولا الجهد وما النصر إلاّ صبر ساعة.