حين أدخلوا جثمانها البارد الهادئ كحديث ملاك لغيمة لم تبتكر شتاءتها بعد…لم أتوقع أن يأخذني نحيب خالاتي وانهيار أمي وانكار جدتي التي قضى الكبر على آخر ضحكة خضراء تستريح في موجات خدها الثمانيني نحو بحر من دموع لا يتساقط…جسدي كان مجرد سفينة تحاول أن ترتجل بحرها الحزين…والرجال الرجال…يحاولون ادخال خالتي بهدوء تام على مسرح الوداع …كانت القاعة مجرد مساحة سوداء زوبعة شطبت النور من عين هذا النهار القاسي…أمي تنهار كأنها عاصمة سرقوا منها الشوارع الدافئة خالتي هيام مشتتة لا تأبه بسماكة دموعها التي غصت بها البلاطات، خالتي وفاء تبكي بحكمة امرأة شاحبة هزها الخريف وثمار طاقتها اكثر مرة …وغير ذلك كله كان مجرد فوضى…مجرد تنافس جاهلي قبلي على مسابقة الاكثر دارمية ، البكاءة الأولى….لم اكن أملك سوى دموعي …خالتي التي تحادثنا سويًا عن التعليم وطريقة التعاطي مع الطالبات والطلاب، التي علمتني مرارًا ان امسك جدول الضرب وأضرب خوفي به في الحادية عشر من عمري …رندا النسمة التي اضافت الى وعاء نطقي لغة الهدوء والاتزان…باتت جثة هامدة يغزو وجهها السماوي اللون الأزرق…اللون الأزرق…لون السماء بات شارة موت يرتجل نفسه في وجه خالتي …نامت هادئة مغضمة العينين تخبئ الكثير الكثير من مشهديات الماضي والحاضر والمستقبل الذي لم تصغه مع ريم ورهف….كلما زاد النحيب زدت انهيارًا …ابكي كطفل منعوه من ذرف محيطات احزانه…اجراس الأسى دخلت فجأة الى معابد شراييني
أبكي مع النسوة والرجال الرجال في الخارج ينتظرون انتهاء الوداع، ربما يبكي بعضهم في سره ربما يتناسى الاخرون الفاجعة ربما يعيش بعضهم الاخر لحظة الإنكار التام كأخوالي…
حملنا النعش وبدأت أسقي ارض البازورية القرية التي تتنفس ريح القهر والانتصار والازمة الاقتصادية ، المرأة التي التحفت بالتاريخ والربيع والصيف وتعرت امام الشتاء برضى …سقيتها انا المدني المقبل من صور بدموع كالرصاص المشكك بوجود الموت…لم اتوقع ان أكون الرجل الوحيد او الطفل الوحيد الذس يمارس البكاء دون سواه…أبي قال لي أن الدموع لن تنتج عشبًا….والغرباء الذين لم اعرفهم منحوني احضانهم كي أدفع ما يترتب عليّ من رمادية وانهزام
في طريق العودة كان علي ان ابكي على حضن احد ما…حضن ابي كان الوسادة الخالية من الا من أسماء الصبر….لم يكفني هذا النوم في عقر دار الابوة
مشيت في الساحة العامة قرب جبانة البلدة…اتأمل طالبات خالتي الضائعات…ابكي اكثر…كنت قد وعدتها عند اللحد ان
أنال الدكتوراه في اللغة العربية وادابها أن أتكفل بتدريس ريم ورهف الملاكان اللذان أصبحا يتيمين دون جناح امهما
أردت بعد دخولي في غرفة الهدوء ان ابكي امام امرأة
كنت سأتصل بها…هي التي سحرتني في الجامعة…لكني لم افعل ولم يخطر ببالي ان ارتكب طفولتي امامها…بكيت امام زينب صديقتي التي أستريح في باحة اضلعها…بكيت
بكيت حتى وجدت امي الهادئة وبكيت بأسف على وشاحها…معتذرًا على ما منحته لها من عواصف بددت الكثير الكثير من حقول ربيعها…
صور ٢٣ حزيران ٢٠٢١ -بعد الدفن