يقع لبنان في نطاق البلدان التي تشهد هشاشة وصراعاً وعنفاً، ثلاثية تُحذر من تنامي المحفزات المحتملة لنشوب اضطرابات اجتماعية. فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتنامية الخطورة تهدّد بقصور النظام الوطني بما لذلك من آثار إقليمية، وربما عالمية. هكذا يُعرف البنك الدولي لبنان الذي يعاني من كساد اقتصادي حاد ومزمن، مرجحاً أن تُصنّف هذه الأزمة الاقتصادية والمالية ضمن أشد عشر أزمات وربما إحدى أشد ثلاث أزمات على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، وذلك بحسب تقرير مرصد الاقتصاد اللبناني الصادر عنه. التقرير المُعنون “لبنان يغرق: نحو أسوأ 3 أزمات عالمية” أشار إلى أن التقاعس المستمر في تنفيذ السياسات الانقاذية وفي ظل غياب سلطة تنفيذية تقوم بوظائفها كاملة، يهدّد الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المتردية أصلاً والسلام الاجتماعي الهش، مع عدم وجود أي نقطة تحوّل واضحة تلوح في الأفق.
لبنان الذي يواجه منذ أكثر من عام ونصف تحديات متفاقمة تضم أكبر أزمة اقتصادية ومالية في زمن السلم وجائحة فيروس كورونا وانفجار مرفأ بيروت، لم تكن استجابة السلطات فيه لها على صعيد السياسات العامة كافية إلى حد كبير، لافتاً إلى أن ذلك لا يعود إلى الثغرات على مستوى المعرفة والمشورة الجيدة بقدر ما يعود إلى غياب توافق سياسي بشأن المبادرات الفعّالة في مجال السياسات ووجود توافق سياسي حول حماية نظام اقتصادي مفلس، أفاد أعداداً قليلة لفترة طويلة.
وتوقّع البنك الدولي، وفي ظل حالة غير مسبوقة من عدم اليقين، أن ينكمش إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في لبنان بنحو عشرة في المئة في العام 2021، بعد أن قُدّر انكماشه بنسبة 20،3 في المئة عام 2020، و6،7 في المئة عام 2019. أما لناحية القطاع المالي، فلا تزال الأوضاع آخذة في التدهور بعد أن ثبت أن التوصل إلى توافق في الآراء بين الجهات المعنية الرئيسية بشأن تقاسم أعباء الخسائر أمر بعيد المنال، تزامناً مع الطابع التراجعي الذي تأخذه إجراءات ضبط أوضاع المالية العامة أو تقليص ميزانية القطاع المصرفي حيث تركّزت على صغار المودعين ومعظم القوى العاملة والشركات الصغيرة.
هذا وسلّط تقرير ربيع 2021 الضوء في قسمين خاصين على اثنين من المخاطر الاقتصادية المحتملة التي تخضع لمزيد من التدقيق، والتي يمكن أن ينشأ عنها آثار اجتماعية ضخمة. الأول يبحث دعم النقد الأجنبي في لبنان للواردات الحيوية والأساسية والذي يمثل تحدياً سياسياً واجتماعياً خطيراً، ويناقش توقيت وكيفية رفعه معتبراً أن الدعم الحالي للعملات الأجنبية هو دعم مُشوّه ومُكلف وتراجعي ومن شأن إلغائه واستبداله ببرنامج مُوجّه أكثر فعالية وكفاءة لصالح الفقراء أن يُحسّن من ميزان المدفوعات، عبر تمديد فترة استنفاد الاحتياطي المتبقي لدى مصرف لبنان. أما الثاني فيناقش تأثير الأزمات على الكهرباء، ومياه الشرب، والصرف الصحي، والتعليم، مشيراً إلى أن الكساد المتعمّد أدّى إلى زيادة تقويض هذه الخدمات العامة المتردية أصلاً من خلال زيادة معدلات الفقر وزيادة نسبة الأسر غير القادرة على تحمل تكاليف البدائل التي يوفرها القطاع الخاص، وأن للتدهور الحاد في الخدمات الأساسية سيكون لها آثاراً طويلة الأجل تتمثل في الهجرة الجماعية، وخسائر في التعلّم، وسوء النواتج الصحية، والافتقار إلى شبكات الأمان الفعّالة.
من جهته، اعتبر المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي، ساروج كومار جاه، أن لبنان يواجه استنزافاً خطيراً للموارد، بما في ذلك رأس المال البشري، ومن المرجّح أن تغتنم العمالة ذات المهارات العالية الفرص في الخارج بشكل متزايد، مما يشكّل خسارة اجتماعية واقتصادية دائمة للبلاد. كما شدّد على أن حكومة ذات توجه إصلاحي، تشرع في مسار موثوق نحو الانتعاش الاقتصادي والمالي وتعمل عن كثب مع جميع الجهات المعنية، بإمكانها وحدها أن تعكس اتجاه لبنان نحو المزيد من الغرق في الأزمة وتمنع المزيد من التشرذم الوطني.
نعم، هي ليست المرة الأولى التي يحذر فيها البنك الدولي من المخاطر التي تُحيط بلبنان، وليست المرة الأولى التي تعكس تقاريره تراجعاً في الأرقام والمؤشرات المالية، إلا أنها المرة الأولى التي يُصنف فيها أزمة لبنان ضمن أشد أزمات العالم سوءاً. فهل يأتي تقريره الثالث الذي سيصدر صيف هذا العام مكملاً لسلسة التدهورات الحادة أم سيحمل في طياته انفراجات وحلول وإصلاحات شاملة تضع لبنان على سكة الخلاص من جديد.