لا أحد يفاوض “حماس” ولا هدف سياسياً لها، وأصلاً لا تريد “حماس” أي تسوية لأنها سترتب عليها دفع الأثمان! فيما غزة الأبية حوّلها الإجرام الصهيوني إلى قبر مفتوح، مع مواصلته تدمير الحجر والشجر وقتل البشر، وتعلن تل أبيب( الوسط السياسي والعسكري) أنه بدءاً من غد الجمعة، ومن دون أي وقف نار أو أي اتفاق، ومن دون أي التزام نهائي، من الممكن تراجع وتيرة التدمير العشوائي الذي أُريد منه توجيه أخطر الرسائل من أن غزة لن تعود المكان الصالح للعيش! فيبقى الخطر مسلط على الناس!
حرب تدمير نفذتها تل أبيب لم يُعرف لها مثيل في السابق: كان العالم يتابع عبر الأقمار الصناعية إعدام الأبراج والمباني وكل ما يرمز إلى جهد بشري وإنساني استغرق تشييده سنوات وسنوات، وكان العالم يتابع عبر الأقمار الصناعية تعثر انتشال الضحايا، وتعثر إيصال جريحٍ إلى مشفى وتعثر وجود الدواء والغذاء وندرة المياه، ولم يأبه أحد إلى الجريمة الصهيونية في تدمير العيادة الوحيدة المخصصة لإجراء فحوصات “كورونا” وتقديم القليل من اللقاحات في منطقة ينتشر فيها بقوة الوباء القاتل!
لكن مهلاً، ابعد من مشهدٍ متوقع لرفع الأعلام فوق الركام، (دعونا نتذكر حرب تموز)، فإنه من بداية التدخل الصاروخي تبلور المخطط وهو أن جهة أخرى تتجهز للاستفادة وفق الأجندة الإقليمية إياها:النظام الإيراني! غير أنه بمعزل عن حجم الاستفادة فالوضع الشعبي والشبابي الفلسطيني دخل طوراً جديداً، والحالة الثورية التي قدمت الحقوق وأثارت الوضع القانوني للفلسطينيين داخل الخط الأخضر كما في الضفة الغربية ولم تهمل غزة، أنهت كل محاولات “الأسرلة” في الدولة العبرية وطمس الهوية، عندما كشفت هشاشة الجبهة الداخلية في إسرائيل بحيث أن هذا الجيل الفلسطيني الذي نمى وعيه بعد أوسلو وسقوط حل الدولتين يرفض “الستاتيكو” الكارثي. كل ذلك فرمل واقعياً تهويد القدس وأعاد الاعتبار إلى مطلب القدس الشرقية عاصمة لفلسطين. ومرة أخرى بدون تصحيح التسوية السياسية ووضع القدرة الفلسطينية التي هددت العقيدة الإسرائيلية للعدو في خدمة القضية الوطنية، قد تتكرر موجات العنف، لكن هناك حقيقة ستترك تأثيرها وهي أن المعركة التي بدأت في القدس وحولها وضعت القضية الوطنية الفلسطينية في مكان متقدم عالمياً وهذا أحد أبرز المكاسب!
تزامناً عادت حكاية الصواريخ البدائية جنوباً، الصواريخ اللقيطة شكلاً والمعروفة العنوان والهدف، لترفع منسوب التوتر وتهدد البلد بانزلاق خطير إلى فوهة النار الإسرائيلية! الصواريخ التي انطلقت من “صديقين” الجنوبية واستدرجت رداً إسرائيلياً، وهو أمر تكرر للمرة الثالثة على التوالي خلال أسبوع طرح السؤال عن مسؤولية الجهات السياسية والأمنية اللبنانية إلى أين يأخذون البلد! لقد تبعثرت السلطة وتشظى “العهد القوي” في ظلّ سطوة حزب الله وتابعه التيار العوني، ليتحول البلد رهينة أجندة خطيرة سداها ولحمتها خدمة المخططات الإيرانية!
اليوم باب الجنوب مفتوح على رياح خطيرة تهدد لبنان، وهو أمر يثير القلق المشروع لدى مواطنينا ولدى كل القوى الصديقة للشعب اللبناني، ولعل خير تعبير عن ذلك مثله الموقف الذي أعلنه السفير البخاري بعد توالي الإعتذارات إثر الموقف الفظ لوزير الصدفة شربل وهبة، عندما قال أنه أهم من الإعتذار هو “مراجعة حقيقية للسياسات الخارجية للبنان”، وهو أمر لم تؤشر إليه المواقف التي انتقدت الوزير الذي “استعفى” من منصبه في حين كان يجب أن يُقال! والقلق على لبنان عبرت عنه مواقف متقدمة صدرت عن الكونغرس الأميركي، خصوصاً الرسالة التي حملت تواقيع 24 مشرعاً من الحزب الديموقراطي التي حضّت الإدارة على إجراءات فورية لمنع انهيار لبنان. لقد طرحت الرسالة أن تقود واشنطن مجموعة دولية بينها فرنسا لفرض إجراءات صارمة لاستئصال الفساد وإجراء الإصلاحات وتحقيق التدقيق الجنائي.. وتوقفت رسالة المشرعين أمام ضرورة تقديم دعم فوري للمواطنين، وخصوصاً الجيش لناحية التدريب والمعدات والدعم المالي بعد انخفاض رواتب العسكريين، نتيجة انهيار سعر صرف الليرة. وطرحت الرسالة البدء بإجراء تحقيق محايد في جريمة تفجير المرفأ برعاية الأمم المتحدة.. كل هذه الدعوات تتحول إلى عنصر داعم للشعب اللبناني، وعنصر فاعل، بقدر ما يمكن للبنانيين أن يتقدموا خطوات جادة على طريق بلورة ميزان قوى، يعكس قوة الشعب اللبناني ويعبر عن مصالحه وإرادته، وهي المصالح التي عبرت عنها ثورة تشرين بالدعوة إلى استعادة الدولة المخطوفة أولا.
كل المطروح من جانب أصدقاء لبنان، ومنها بالتأكيد المواقف الفرنسية، قلبت صفحة منظومة الفساد التابعة والتي لا يعول عليها بأي أمر إنقاذي.. وبقدر ما الأمر مهم فإنه قد يُستغل من المنظومة لتعفي نفسها من أي مسؤولية، فيما هي ولو نظرياً الممسكة بالقرار.. ولأنها وضعت نفسها خارج هموم البلد ومصالح أبنائه، يستمر الصراع على الحصص والأحجام والأدوار فيما يتفكك البلد. ويوم غد يبدأ فصل جديد في مسرحية الصلاحيات، مع تلاوة رسالة عون أمام المجلس النيابي، بشأن استرجاع التكليف من الحريري.. إنها حرب طواحين الهواء تدخل منعطفٍ جديد وما من جهة من الطبقة السياسية تقف عند المخاطر الداهمة على بقاء البلد وعيش أهله!
ويبقى، كم هو المشهد مذل ومسيء للكرامات، عندما يسوق جلاوزة النظام السوري المقتلعين من بيوتهم وبلداتهم ومدنهم إلى الإدلاء بأصواتهم لإعادة انتخاب رأس النظام السوري الذي هجرهم رئيساً ! كل الحكاية أن المحتل الروسي قرر خدمة لحساباته إعادة تفويض الأسد في سياق حملة متعثرة بعض الشيء لإعادة تأهيله.. وحفلة سحب الناس للبصم على القرار لزوم ما لا يلزم، ولن يغير أنملة من المعادلة الداخلية!