يمر لبنان عمومًا وبيروت خصوصًا بظروفٍ إستثنائية غير مسبوقة، بعد ثورة تشرين 17، هذا التاريخ أصبح مفصليًا بالنسبة للشعب اللبناني لأن الحياة كلها إنقلبت رأسًا على عقب، فلقد تحولت بيروت إلى مدينةٍ مُظلمةٍ مجردةٍ من الروح، مدينةٌ لا تعرف الأفراح ولا الضحك، من نكبةٍ إلى أخرى، طبعًا ليست الإنتفاضة هي السبب، إنما الإرهاصات والصيرورة من فساد السلطات السياسية التي تعاقبت على البلاد منذ قرابة الثلاثين عامًا.
بدأت الحكاية بإنتفاضة شعبية عارمة هزت كيان الدولة كلها، تبعها صدامات بين الشعب المكلوم والسلطة الفاسدة وأدواتها الأمنية، ثم تبعتها أزمةٌ اقتصاديةٌ ونقدية أدت إلى إغلاق الأسواق والمحال وهجرة رؤوس الأموال بسبب الغلاء واللإستقرار السياسي وتردي القدرة الشرائية للمواطن اللبناني وسرقة أمواله في البنوك، ثم جاءت جائحة كورونا التي إجتاحت العالم، ثم جاءت النكبة الكبرى وهي إنفجار المرفأ الذي كان الضربة القاضية لمدينة بيروت.
من يمشي في شوارعها، يشعر بحزنٍ كبير، إذا مشيت في شارع الحمرا، ذلك السوق الذي كان يعج بالناس والسواح من مختلف الجنسيات، كانت المقاهي ممتلئة بالزبائن، أما اليوم تمشي في الشوارع لا ترى إلا الظلام ومحلاتٍ مُغلقةٍ أبوابها ومهجورة وفقراءٍ يفترشون الأرض مع أطفالهم يركضون على الأرصفة، قد يعتقد البعض أن الأسباب التي ذكرتها هي التي أدت إلى الحالة التي تعشيها بيروت اليوم، ولكن نكبة بيروت قديمة ليست جديدة، هذه المدينة تعاني الكثير من الحرمان على كافة الأصعدة، رغم أنها العاصمة الإدارية والسياسية، إلا أنها تعاني من الكهرباء والأمان والبنى التحتية والمستشفيات الغالية وعدم توفر مساكن لأهلها والأبنية المكتظة وتلوث في الهواء والمياه وشعور أهلها أن هذه المدينة لم تعد لهم، نكبة المدينة بدأت عندما بدأ مخطط تفريغها من أهلها الأصليين وبيع ممتلكاتهم والهجرة إلى خارج بيروت، فإذا ذهبنا إلى منطقة عرمون وبشامون تظن نفسك أنك في منطقة عائشة بكار أو في البسطة التحتى، حيث تجد كل العائلات البيروتية العريقة تسكن هناك مثل آل عيتاني وشهاب وغيرهم من عائلاتٍ كريمة.
بيروت تعاني الأمرين من أولياء أمورها إن كان على صعيد النيابي أو على الصعيد البلدي أو حتى في وظائف الدولة، المدينة مُهملة لدرجة أن أهلها أصبحوا يبحثون عن المساعدات ووجبات الغذائية اليومية بعد أن كانوا تجارًا، تلك المدينة أعطت الثقة لمن لا يستحق تلك الثقة، تلك المدينة التي إستوعبت كل الحراك والإنتفاضات السابقة والحركات السياسية وكل المفكرين الذي هربوا من بطش بلادهم فجاؤوا إلى بيروت مدينة الأحرار والعلم والثقافة، مدينة البحر وصخرة الروشة، للأسف تلك الميزات أصبحت غير موجودة مع وجود نوابٍ يدّعون حب مدينتهم ولكنهم يحبون مصالحهم الشخصية فقط.
هذه المدينة التي قاومت الإحتلال الإسرائيلي وإنتصرت، وقاومت بطش النظام السوري وأدواته المخابرتية والأمنية، هذه المدينة مليئة بالطاقات الفكرية القادرة على أن تعود مجددًا لؤلؤة الشرق ومنارته، ولكن للأسف تولى زمام أمورها من لا يحبها ولا يخاف عليها، فأصبحت مدينة فقيرة في السياسة والفكر الإنساني رغم كل طاقاتها الرهيبة إلا أن هذه الطاقات قد إستُبعدت من تولي القيادة وتم هجير أصحاب العقول والفكر المستنير إلى الخارج وإقصائهم.
بيروت تحتاج إلى رجالٍ تعمل وتكون وفيةٍ لها، بيروت تريد رجالًا يمشون في حاجة أهلها، بيروت تريد رجالًا تسعى جاهدةً لإعادة رونقها وجمالها ورد الروح إلى أهلها الطيبين، بيروت تريد رجالًا تصرخ في وجه كل من يريد أن يدمرها وأن يغير ثقافتها العربية والوسطية التي تجمع كل الأديان، بيروت تريد رجالًا في البرلمان تشرع وتقترح مشاريع إنمائية للمدينة كي تزيل عنها الهم والغم، بيروت تريد رجالًا في البلدية توقف الصفقات والفساد وحفلات الغناء وتعطي أهلها حقوقهم. بيروت تريد رجاًلا يطالبون بإسترجاع صلاحيات رئيس البلدية التي سُلبت منه وأعُطيت لمحافظ مُعين من السلطة المركزية ولا يشبه المدينة أبدًا. بيروت تريد رجالًا تقف في وجه المشروع الذي يهدف إلى تغيير ثقافة المدينة وفي وجه الرايات السود والحقد والكراهية والطائفية البغيضة، بيروت تريد رجاًلا تعمل على إنشاء مكباتٍ لنفاياتها بعد أن رفضت الكثير من المناطق إستقبال نفاياتها بالوقت الذي تستقبل فيه بيروت جميع اللبنانيين من مختلف المناطق والطوائف، بيروت تريد رجالًا في الحكومة ورئاسة الحكومة يسعون لمصلحة المدينة وأهلها وناسها الذين قدموا الكثير للوطن. بيروت تريد رجاًلا يبنون مؤسسات لأبنائها وأكاديمياتٍ سياسية تحث أهلها على العمل في الشأن العام وتثقيفهم سياسيًا مي يصبحوا قادرين على أن يكونوا قيادات مستقبلية، بيروت تريد رجالًا تحارب ثقافة الكرتون والمساعدات التي هدفها الإنتخابات فقط.
قد يقول القارئ عندما يقرأ هذه المقالة أنني عنصري، نعم أنا عنصري في حب مدينتي وغيورٍ على مصلحة أبناء مدينتي، والجميع يجب أن يسعى إلى تكون مدينته هي الأفضل، وبيروت في نظري هي الأفضل وعلينا أن نسعى جميعًا لإعادة إحياء تلك المدينة الجميلة التي قدمت لنا الكثير ولازالت حتى اليوم، فهذه بيروت، فهذا بيتنا الجميل الذي يجب أن نحارب جميعًا كي يتولاها رجالٌ يقاومون ويسهرون لإعادة روحها المسلوبة.
المصدر: اللواء