القرار السعودي بحظر استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية إثر افتضاح أمر شاحنة الرمان المفخخة بملايين اقراص الكابتاغون المخدر، شكل فرصة جديدة برز فيها كم هو عميق ومتأصل، حقد منظومة الحكم على الشعب اللبناني وازدرائها لحقوقه ومصالحه! والدليل الاستخفاف بالتعاطي مع هذا الأمر الخطير ومع التنبيهات الدولية من مخاطر تحول لبنان منصة لتهريب المخدرات مع تزامن افتضاح جريمة التهريب إلى السعودية مع افتضاح جريمة تهريب الحشيش غلى سلوفاكيا عبر اليونان! ومن مظاهر الاستخفاف أن لا مؤشرات عن بدء أي تحقيق أو تحرك قضائي أو أي مساءلة!
دعونا نتخيل المشهد. يعول لبنان الرسمي على قرضٍ من البنك الدولي بقيمة 246 مليون دولار لدرء المجاعة عن اللبنانيين بعض الوقت، ويدير الظهر لمسألة بحجم صادرات زراعية إلى السعودية تدر على لبنان سنوياً 130 مليون دولار، ومعها تؤمن الحماية لعشرات ألوف العائلات المستورة العاملة في الزراعة! وإذا ما أخذنا بالاعتبار حجم الصادرات الزراعية إلى بقية بلدان الخليج، فيكون لبنان أمام خسارة تصل إلى نحو 250 مليون دولار في السنة، خسارة مبالغ نقدية “فريش” تدخل في المتبقي من الدورة الإقتصادية وتبقي القطاع الزراعي على قيد الانتاج والتوسع!
دخل القرار السعودي حيز التطبيق صباح اليوم الأحد، ما يعني وقف استيراد المنتجات الزراعية اللبنانية، ومعه وقف مرور المنتجات اللبنانية الزراعية عبر الأراضي السعودية إلى بقية دول الخليج. وأعلنت الكويت والبحرين دعم القرار السعودي، ورفض هذه الاستباحة التي تهدد الأمن الداخلي للبلدان الشقيقة واستقرارها. لكن القرار الذي صدر يوم الجمعة، وأمهل لبنان نحو 48 ساعة، للإعلان عن خطوات ما، على طريق توفير ضمانات لبنانية جدية بمكافحة تهريب المخدرات إلى السعودية، وهو قرار توج اتصالات سابقة أجرتها الرياض مع بيروت ومضى عليها أكثر من عام، لم يجد آذاناً صاغية لدى المسؤولين عندنا، إذ يبدو أن أموراً عليا جداً حالت دون الدعوة لاجتماع فوري للمعالجة، وحالت أيضاً دون صدور أي موقف عن رئيس الجمهورية أو رئيس حكومة تصريف الأعمال، كما أنه لم تتم أي صلة رسمية مع السفير السعودي الذي غادر بيروت أمس إلى الرياض دون معرفة الأسباب! غير أن البطريرك الراعي أبلغ اليوم نقابات المزارعين الذين زاروا بكركي، أنه اتصل أمس بالسفير البخاري في الرياض وأبلغه الاستنكار الشديد وتمنى أن ينقل السفير للقيادة السعودية أن تأخذ بالاعتبار وضع لبنان وأوضاع مزارعيه الشرفاْ! في هذا الوقت أعلن القصر أخيراً عن دعوة إلى اجتماع أمني اقتصادي بعد ظهر يوم غد الإثنين!
اليوم ليس مهماً أبداً أن لبنان لا ينتج الرمان وان منشأ الرمان ليس لبنانياً، ولا يهم الأسئلة التي أثارتها شحنة الحشيش عن المنشأ والاحتمالات بشأن المشاركين، فالأمر الأكيد أن السلطة اللبنانية هي وحدها الجهة المسؤولة عن الممر، وما من جهة دولية تقبل بذرائع الحدود المستباحة، وكل الجهات تعرف جيداً أن حزب الله المعني بموضوع الميليشا المسيطرة على المعابر هو مكون رئيسي في السلطة، وبقية الأطراف من هم في السلطة تلان ومن هم في المعارضة آنياً شركاء في أمين التغطية للحزب. وبعبارة أوضح فإن مسؤولية السلطة بكل أطرافها عن شحنة “نيترات الأمنيوم” والكارثة التي تسببت بها، هي أيضاً مسؤولة عن شحنة “نيترات الرمان” وما أدت إليه.. والقول أن أجهزة “السكانر” التي عطلها تفجير المرفأ لم يتم استبدالها بعد، وهناك من يستبيح المرفأ من عصابات لبنانية – سورية مدعومة، فهذا يفاقم من مسؤولية منظومة الفساد التي تسببت بجريمة تدمير بيروت، وسيؤدي أداءها اليوم إلى مفاقمة المجاعة في البلد!
وبعد، تابعت التلفزة المحلية مخطط فرض الأحاديث واللعي في غير قضية على الناس في منازلها! في كل الدنيا يقدم الإعلام خدمة عامة للمشاهد ويتناول قضايا الناس ولا يحق له هذه الاستباحة للبيوت! بالأمس اعتذرت “البي بي سي” من متابعيها في بريطانيا لأنها خصصت وقتاً إضافياً لتغطية لم تكن مقررة لوفاة الأمير فيليب زوج الملكة! لكن لا حسيب ولا رقيب عن الاستباحة التي تتكرر عندنا! ساعة كاملة ل “الهيلا هيلا هو” تحدث في أمور عديدة، إلاّ جرائم التهريب ومخاطر تحويل لبنان إلى منصة تهريب للمخدرات فهذا الموضوع ليس من الأولويات.. أما ما تناوله من اجتهادات بشأن ترسيم الحدود البحرية الجنوبية وأبعاد الرسائل عن الاستعداد لتسوية فندها أهل الإختصاص مؤكدين على قواعد القانون الدولي واتفاقية البحار..غير أن سلبطة نظام الأسد على نحو الف كيلومتر من مياهنا الإقتصادية الخالصة فما من إشارة للأمر!
لكن الجميع اقتنعوا أن المتحدث وفريقه على زهدهم بالحكم، ولا يريدون أي مشاركة، بدليل تخصيص نحو 50 دقيقية لتفصيل ما يراه، في كيفية تأليف الحكومات وكيفية اختيار الأسماء، وفوق ذلك ماذا يقبل رئيس الجمهورية وما ليس مقبولا ً(..) وعزف على وتر إخراج 7 مليارات من الودائع وهي ارتكابات خطيرة من جانب المنظومة السياسية – المصرفية، وتجاهل مسؤوليته وهو الجهة الأبرز التي منعت إصدار قانون “كابيتال كونترول” لمنع إخراج الأموال..كذلك تجاهل الاشارة إلى المسؤولية عن نهب 120 ملياراً من ودائع الناس تمت سرقتها بقوانين موازنات وانفاق من بينها منهبة الكهرباء التي رتبت خسائر تفوق ال48 مليار دولار!
وفيما يتردد أن الموفد الأميركي هيل أسر لبعض من التقاهم أن اللقاء مع عون كان فاتراً جداً، وأنه تجاهل الرد على طلب رئيس الجمهورية أن يلتقي الوزير جبران باسيل، يبدو أن من بين أسباب تعطيل تأليف الحكومة، أن حزب الله الذي لم يحصل على ضوء أخضر من طهران لا يستمريء فكرة الإختصاصيين لأنها بمعنى من المعاني يمكن أن تكون مقدمة لاستبعادها عن التركيبة الحكومية.. وعليه تستمر حرب طواحين الهواء بشأن مستقبل الصهر و”الثلث المعطل” والتسمية ووو