تتزاحم القضايا وتتراكم دون حلول، ويكاد الانهيار المتعدد الأوجه يطبق على البلد، ويبرز عجز المنظومة السياسية، من هم في السلطة الآن أم خارجها، وكلهم شركاء مع حزب الله في دفع البلد نحو ارتطام كبير!
فقط من باب الاستعارة والدلالة” قاضٍ مصري على قوس المحكمة رن هاتفه المحمول فانشغل به، ثم تنبه أنه عطل بذلك سير عمل العدالة، فأصدر على الفور قراراً بتوقيع غرامة على نفسه مقدارها 500 جنيه، ما أدهش المحامين والمتقاضين من قرار رجلٍ كبير عاقب نفسه لأنه أخلّ بنظام العدالة!
لدينا كبارنا بالتأكيد ولكن الخطر أن الممسكين بقررات البلد هم من زمرة “الارتياب المشروع”، ولأن أحد الموجوعين كتب على بقية جدار مواجه للمرفأ الشهيد والشاهد على جريمة منظومة النيترات”: دولتي فعلت هذا! انقض الغربان لطمس الشعار وكأن ذلك يطمس صفحة جريمة العصر ومرتكبيها وهي الجريمة التي ستستمر طويلاً في الذاكرة ومخيلة عشرات ألوف الأسر وبالأخص أسر الضحايا الذين يسألون لماذا؟ ولأن الشيء بالشيء يذكر، الناس تسأل من قال أنه علم ولا صلاحية لديه: ترى لو كان أطل في ثامنة ما على عادته، كما أطلّ بشأن “الثلث المعطل” أو شعبوية طرح “التدقيق الجنائي”، وقال للبنانيين ما تبلغه، ووفق قوله كان لديه نحو الأسبوعين قبل التفجير الهيولي، أما كان يمكن تلافي الإبادة الجماعية التي حدثت وهذه النكبة التي ضربت العاصمة وأبعد بكثير: كل لبنان؟
بدأت هذه اليومية من مصر “أم الدنيا” وأعود إليها وأعلم أن الأعداد كبيرة جداً التي تسأل هل “سينقطع النفس الباقي” نقداً واقتصاداً مع إقفال البنوك الخارجية المراسلة بحيث يتعطل دخول النقد والاستيراد؟
عند متابعة كارثة تدمير الصناعة المصرفية، وتبخر جنى أعمار أكتر من مليون أسرة لبنانية، وألاعيب الطبقة السياسية، كلها، والأداء الإجرامي لمصرف لبنان والكارتل المصرفي الذي تحول زمرة من المرابين، يبدو البلد أمام ثلاثية أين منها رائعة نجيب محفوظ “الثلاثية” التي نالت جائزة نوبل للآداب.. يبدو أن ما لدينا أهم بكثير من “قصر الشوق” و”السكرية” و”بين القصرين”، لدينا كما ذكر مرة الصديق بشارة شربل ثلاثية خاصة يجب أن تستوحى من رواية محفوظ “اللص والكلاب”، ويمكن لمخيلة سيناريست أن تحولها إلى ثلاثينية رمضانية بحيث تبقى الجريمة وما تناسل عنها من جرائم في الذاكرة الجمعية للبنانيين تحفزهم على المضي في المسار التشريني لقلب أهل الفساد ومعاقبتهم قضائياً، لأن العقاب وحده خطوة لبلسمة الجراح!
مواد السيناريو تتكثف كل يوم، فدعونا نتوقف أمام الجديد! حيث يكشف”أمين بيت المال” الملاحق أمام القضاء السويسري بتهم اقلها غسل أموال، أن 4 مصارف كبرى شطبت حسابات مصرف لبنان:
-“ويلز فارغو” الأميركي أقفل حساب مصرف لبنان بالدولار!
-“إتش إ سبي سي” البريطاني أقفل حساب مصرف لبنان بالجنيه الاسترليني!
-“دانسكي” الدانماركي أقفل الحساب بالكورون السويدي”!
-“سي بي اس” الكندي أعاد ودائع لمصرف لبنان موظفة لديه وأوقف التعاملات معه!
والمتبقي”جي بي مورغان” الأميركي الذي قنن التعامل إلى الحد الأدنى!
مثل هذه القرارات الكبيرة لا تكون مصرفية وحسب، إنها قرارات سياسية، إنها عقوبات دولية فرضت على مصرف لبنان وتالياً على لبنان والبحث عن الأسباب هنا في بيروت ولبنان ، في قرارات منظومة الفساد وارتهان البلد للخارج، واللص غير الظريف، الذي أتوا به ويده في بلاعيمهم من جيوب المواطنين وتركوه يتحكم بالنقد دون حسابٍ أو رقيب!
من بدأت لعبة تجويف شعار ثورة “17 تشرين” كلن يعني كلن، والسعي لاستبداله بشعار خلفه قوى مشبوهة: “يسقط حكم المصرف”، كان الهدف بقية أموال يتحكم بها المصرف المركزي، هي ودائع تأتت من جهد مواطنينا الذين وفروا “القرش الأبيض لليوم الأسود”، للأيام الصعبة وما دار بخلد إنسان أن منظومة النهب ستأكل الأخضر واليابس. فاستمر دعم المحتكرين ونظمت السلطة عمليات التهريب، وكما تمت الإشارة إليه تكراراً في هذه اليومية، يجري استنزاف المتبقي تحت ضغط رسمي من الدويلة وأتباعها في موقع القرار على كل المستويات السياسية والأمنية، فتزداد أرباح المحتكرين ويستمر تمويل الدويلة ويجري خرق العقوبات الأميركية بدعم ميزان المدفوعات السوري وتأخير جزئي لمجاعة تجتاح سوريا!
تعالوا نتخيل المشهد كل السلع الغذائية التي تستورد إلى لبنان، بالقسم الأكبر منها تحمل شهادات جمركية وشهادات وزارة اقتصاد راوول نعمة الساعي بقوة لحجز مركزٍ له في المنظومة، ويُنقل القسم الأكبر منها شمالاً إلى مخازن “ك.الخير” في محيط طرابلس و”تُصدر” شرعاً باتجاه طرطوس واللاذقية فدمشق! وبالمقابل تستمر قوافل الصهاريج بنقل المحروقات، ورغم أن الأمر “منظم” ومراقب وتحت السيطرة، تتفجر صراعات الموكلين بالتهريب كما جرى أمس عند محلة التهريب في منطقة “القصر” الحدودية في الهرمل وأدت إلى قتل الشاب الملقب ب”الزبودي” وتكرر الأمر على مرأى الأجهزة التي لا تتحرك لأن قبضة الدويلة شديدة على معابر التهريب! وامتد التهريب إلى المعبر الشرعي مع بلطجة محمية من “السائقين” ونقابتهم الذين يهربون المحروقات إلى الجانب السوري بعدما حصلوا على أذونات خاصة سورية بالانتقال وعجزت الأجهزة عن وقفهم على ما شهدته منطقة المصنع أمس من احتجاجات مركبة!
إنه التهريب وخرق قانون العقوبات ويعرف “أمين بيت المال اللبناني” بدقة أين تذهب الأموال وماذا تغطي وكان عليه أن يتوقع العقوبات العالمية على مصرف لبنان وعلى مصالح اللبنانيين. إنه خرق خطير ومدمر لقانون النقد والتسليف، والتزامات لبنان الدولية، لجهة مكافحة تمويل أنشطة تصنف إرهابية ومن شأنها أن تضع البلد تحت مقصلة الحصار! لكن من يسمع وباتجاه من نتوجه بالإحتجاج؟ من نكد الدهر أن بلدنا محكوم من سلطة إحتلال وربما فات أوان أي علاج معها!
وبعد، قالت “17 تشرين” لن تفلتوا من “التدقيق الجنائي” الذي سيطال حتماً كل مغاور الفساد والموبقات، والمهمة ستكون الأبرز عند فرض حكومة مستقلة عن أحزاب الفساد والتبعية والارتهان. لكن والبلد لم يتجاوز خطبة الساعة الثامنة الشهيرة بعد فدعونا نتوقف قليلاً أمام الحقائق الصادمة:
-مدة عقد “الفاريز ومارسال” 10 أسابيع فقط فكيف ستنفذ هذه المهمة الخطيرة خلال هذا الزمن القصير؟
-شركة التدقيق بحاجة بحاجة إلى عقد جديد، لأن القديم سقط، والأمر يتطلب تفويضاً من مجلس الوزراء ما يعني حكومة مكتملة الصلاحية وليس مستقيلة!
-أساس التقرير الذي ستقدمه “الفاريز ومارسال” إن أنجزت المهمة، لا يمكن الاعتداد به أمام المحاكم وتالياً لن يكون ممكناً استعادة أموال منهوبة، والأكيد من غير الممكن تحويل المرتكبين إلى القضاء، لأن كل أعمال الشركة لا تشكل تدقيقاً أو مراجعة .. إنها توصيات وليست الإبلاغ عن بيانات مالية وفق المعايير الدولية!
فكفى شعبوية وكفى محاولات تحويل الأنظار والإهتمام عن مكامن العجز والإنهيار، وكفى عمليات إحتيال وإلهاء الناس، وكل الهاجس تغطية مسؤوليات سياسية للبعض والرمي على آخرين ..فكونوا على ثقة أن نظام المحاصصة الطائفي بكل أطرافه، وهو النظام المولد للفساد كنتيجة للتبعية والارتهان، هو ما تسبب بكل هذا الانهيار ولن تنجوا من الحساب!
وبعد البعد، أجمل ما قيل هذا الصباح أن فرنسا “رفضت أن تكون غسالة لجبران باسيل” ومع الوعي الذي أدخلته ثورة تشرين لن تجد أي جهة سياسية ملجأ يغسل ارتكاباتها..أما الإبداع الذي أقدم عليه راوول نعمة الذي طلب “تقريش” جريمة تفجير المرفأ وبيروت ، فأنت أيضاً “مش ناسينك”!