“عاللبناني” نَعْتٌ نُطْلِقُهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ يُبَسِطِهُ الشَعْب العَنيد، مرورًا باللغة الى سُبُلِ العيشِ الصَعبة فِي الحُرُوبِ المُتَتَالِية التي عَايَشَها اللُّبْنَانِيُون، وفِي هَذِه الأَيَام التِي يُجَرَبُ فِيها اللُّبْنَانِيُون نَطُوقُ لِاكْتِشَافِ أَخِرِ ابتِكَارَاتِ هَذَا المُوَاطِنِ بِمُوَاجَهَةِ تِلْكَ المصائب.
لكن للإسف الشديد، هذه الشدائد التي نزلت على كاهليّ المواطن حدت من إبتكاراته، فعادةً ما كانت “تسكر من ميلة وتفتح من غير ميلة” كما حال الحرب اللبنانية حيث انعدم الأمن والأمان والكهرباء لكن كان هناك وفرة وبركة كما يصر الكثيرون ممن عايشوا تلك الحرب، لكن هذا العام أغلقت من كل الجهات، و”سكرت بوّج اللبناني” فلا أيامه تشبه تلك التي مضت، والمال الذي اقتصده وادخره أمسى كما ورق الجرائد، ولا بركة في المأكل والمشرب، فانتاجنا لم نعد نستطع أن نبتاعه، وفطورنا الشهير “ترويقة الفقير” أمسى فطورٌ نتقاسم سعره بين بعضنا البعض بعدما كنا لا نمل من الخناق على دفع الحساب كاملًا، حتى حلو الأعياد، وفرحة الأطفال، أصبح “كسرة” على رب العائلة!
ماذا جرى؟ ولماذا حلَّ بنا كلّ هذا؟ هو سؤالٌ لا جواب عليه وما من أحدٍ يهتم أصلاً للإجابة فالناس تريد أن تعيش، والسلطة تنغص على الناس معيشتها، وتشتد غصته عند كل عيدٍ يُحرم فيها من فرح أولاده وعائلته لأنه وببساطة ليس باليد حيلة!!
فشعانين هذا العام من سيقدم لأطفالنا الشموع وأغصان الزيتون، ومن سيستطيع أن يبتاع ثوبًا جديدًا له ولعائلته؟ من سيرأف بالصائمين هذا العام، فلا رحمة بأسعار البقوليات ولا باللحوم والدواجن، حتى صحن الفتوش عروس طاولة الصيام أمسى سعره باهظًا!
اللبناني حرّيف، نعم! لا جدال بهذا الشأن! ولكن تلك الأيام هي الأصعب! وتلك السلطة هي الأفسد وهذا العهد هو الأفشل! واللبناني لم يتغير ولم يتبدل كلما حلم بوطنٍ يرعاه تأتي أزمة لتشد الخناق عليه، فيلحق بركب الأسبقين بالهجرة، فنحن من عهد الفنيقيين نهاجر! ومن الثمانينات نطوق للكهرباء! ومن السبعينات تحكمنا القبلية والطبقية مطعمة بالمذهبية والطائفية العمياء!
لكننا كنا نصوم مرة واحدة بالسنة! كلٌّ حسب طقسه إنما مرة واحدة فقط! لكن صومنا هذا العام طال، ويبدو أنه سيطول أكثر! وكأننا أبتدعنا لأنفسنا صومًا جديدًا، هو الصوم اللبناني! وحتى الأن لا يلوح بالأفق لا قيامة ولا فطر تذعن للبنانيين خلاص التجربة والنجاة من قعر جهنم التي رمون فيها!
ويبقى الإيمان مترسخًا في قلوبنا وضمائرنا، أن الذي نصوم له ونصلي إليه أكبر من الطاغوت الذي يحكمنا وبأسه أشدّ عليه منّا، وإن لم يكن خلاصنا منهم بأيدينا! فأعمارهم حتمًا بيد الله، فالله لن يرحمهم ولا التاريخ سينصفهم! ليُلَطَخ كتاب التاريخ مرةً أخرى بقتل شعبٍ لكن قتلٌ من نوعٍ أخر… القتل بالصوم والصبر… والجوع!