طالعتنا أخبار صباح يوم احتفال العالم بعيد الأم وقدوم فصل الربيع، بخبر رحيل الروائية والأديبة المصرية نوال السعداوي، التي حملت راية حقوق المرأة إلى حدّ النضال المستمر وبلا هوادة، في محاولة نشر الوعي في مجتمعها المصري والعربي والعالمي لضرورة مناصرة تلك الحقوق، ومن خلال حشد التأييد لكلّ صيغة لمعاهدات دوليّة، على الدول المتقدّمة والنامية إقرارها من دون تحفّظ أو تعديل، والتوقيع عليها، وتطبيقها بحيث تعتبر أعلى شأناً وأحقّ بالتطبيق والاتباع من القوانين المحلية، التي يعتريها الكثير من الغبن والتعسّف يصل إلى حدّ التخلّف، بحق المرأة وشؤونها وإعطائها شيئاً من حريّتها. فغدت السعداوي مثالاً يحتذى للكثيرات في نضالهنّ باتجاه تحصيل الحقوق النسائية والطفولية، حتى ولو كانت تخالف الأعراف والتقاليد المقبولة منها إنسانيّاً وتلك المرفوضة من قبل كلّ ذي فطرة سويّة.
أين الأبّ والزوج والأخ والإبن والعمّ والخال من كلّ هذا؟ بل أين الرجل؟
المعادلة باتت عند البعض كالتالي: إن كنت مناصراً للسعداوي ومثيلاتها؛ فأنت منفتح ومتطوّر، أمّا إن كانت لك ملاحظات على ذلك مجرد ملاحظات، وبعض الإنتقادات، فتصبح على لائحة التخلّف والرجعيّة والذكوريّة المقيتة.
نوال السعداوي كأس ينضح بما فيه، كما كلّ الناس،
لكنّه كأس ملئ بالعُقد النفسيّة، واختلال في التوازن العاطفي والفكري، مع فظاظة اجتماعيّة مقيتة، لا أدري كيف اجتمعت كل هذه الصفات بكيان بشري واحد أطلق عليه اسم نوال السعداوي.. لا أستغيب ميتاً أفضى إلى ربّه، ولكنّ خبر وفاتها ذكّرني بالموقف الوحيد الذي جمعني بها شخصيّاً بيوم من الأيام وبمحض الصدفة ومن دون سعيّ مني، لأني كم تمنيت أن أحاورها في مسيرة عملي الإعلامي، ولكنّ قناعة ترسّخت لديّ أن محاورة السعداوي وأمثالها لن تأتي بفائدة تذكر لدى المتلقي مشاهداً كان أم مستمعاً أو قارئا. فهي مجموعة تناقضات خُلطت، وما عاد كلّ مكوّن من مكونات تلك التناقضات، يُعرف من أين أتى وما أصل وجوده.. لطالما تساءلت عن طفولة هذه المرأة، وعن نشأتها، وتجربة زواجها وإنجابها وتربيتها لابنتها أو ابنائها.
ما كنت أود أن أكتب عنها، لولا أني قرأت العديد من المقالات، والفقرات، وتعابير الرثاء والتبجيل على منصات وسائل التواصل الإجتماعي، تمتدح إنجازاتها ونضالها وتفانيها في خدمة قضايا المرأة، وحقوقها.
كتبت لأقول: إنها تمثّل النسويّة المتطرّفة، التي ترفضها المرأة العربية نفسها قبل الرجل، بغض النظر عن خلفياته العقدية والسياسية والاجتماعية.
كتبت لأقول: إن إحداهنّ وفي مقالة صحفية عنها جعلت نوال السعداوي أيقونة المناضلات لتحصيل حقوق المرأة ونجاحها بالحصول على المزيد من المكاسب وانتصارات.
كتبت لأقول: رفقاً أيتها السيدات المحترمات.. نوال السعداوي أيقونة كراهية لكلّ قيمة فضلى توارثها الناس جيلاً بعد جيل، فقط لأنها تعتمد مبدأ التنكّر لكل موروث، نعم هناك أشياء يجب تنقيتها في موروثاتنا، وأشياء كثيرة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، قضية خِتان البنات في بعض البلدان، التي لا أصل لها لا في تشريعٍ ولا في عُرفٍ تعارف الناسُ، غالبية الناس عليه.
إلا أن نَزَقَها المفرط وافتآتها على الكل، وليس على المرفوض فقط، يجعلها غير موضوعيّة، وبخاصة فيما يتعلّق بالشريعة الإسلاميّة.. فهي تقيس على ممارسة خاطئة من أو هناك، وتعمّمها، وتجعلها ظاهرة اجتماعية بغطاء شرعي.. ولو أوضح رجال العلم الديني ليل نهار، أن تلك ممارسة خاطئة ومخالفة للشريعة الإسلاميّة، فهي تبقى من حيث بدأت ولا تبدّل من مواقفها وافتراءاتها، التي تغذيها شهوة تأييد منظمات وجماعات وجامعات ومراكز أبحاث غربية، على شكل اهتمام بأفكارها، وأفكار غيرها الشاذة، الخارجة لا أقول عن المألوف، لا بل الخارجة عن المنطق والمقبول. فتُنظّم لها المحاضرات في أرقى الجامعات بعواصم العالم، وتترجم كتاباتها للعديد من اللغات.
وهنا لي وقفة شخصيّة مع السعداوي التي التقيتها صدفة مرة واحدة في حياتي المهنيّة، ومن دون سعيّ مني، ربما لأضع البعض منكم بواقع بعض الكُتّاب والكاتبات، والمفكرين/ات (علماً أن كلمة واحدة بحسب فقه اللغة العربية، تشمل الذكور والإناث ولكنها عُقَد العصر، أو جهل البعض.. فعندما أقول مفكرون تشمل كلّ مفكّر من أنثى وذكر) وحقيقة انتشارهم عالمياً، التي توهم البعض في وطننا العربي، أن ذلك دليل ريادة، وشهادة قدوة وقيادة، وإن فقدناها فقد خسرنا كنزاً لم نكن نقدّر قيمته وأهميّته في حياتنا.
صِدام وليس لقاء
في شهر إبريل/ نيسان من عام ٢٠٠٩ كان الموعد مع المستعربة الإيطالية الدكتورة كلاوديا ماريا تريسو، عميدة كلية اللغة العربية، والدراسات الشرقية في جامعة تورينو بإيطاليا، والحائزة قبل سنة على جائزة الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى، عاهل المملكة العربية السعودية حينها، للترجمة، على ترجمتها لكتاب رحلة ابن بطوطة «تحفة النظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار» إلى الإيطالية.
كنتُ يومها مُعدّاً ومقدّماً للبرامج في تلفزيون أبوظبي، وكنتُ أعمل على تصوير وثائقي من ثلاث عشرة حلقة، مع مستعربين ومستشرقين غربيين أنصفوا الثقافة العربية والإسلامية في نتاجاتهم الفكرية والأدبية، وحتى اللغويّة.. ومن تلك الحلقات خصّصنا حلقة للمستعربة دكتورة تريسو، ومن صيغة البرنامج، تعدّد أماكن التصوير بحسب محاور اللقاء، النشأة والتعريف العام بالضيف، غالباً ما يكون في منزله، نتاجه الأكاديمي وعطاءه المعرفي، في جامعته أو مكتبته التي يقصدها، وهكذا تتنوّع الأماكن… البرنامج كان بعنوان “نوافذ على الشرق”
وصلنا إلى جامعة تورينو بالموعد المحدد التاسعة صباحاً، استقبلتنا دكتورة كلاوديا بابتسامتها العريضة المريحة والمحببة وقالت: نسيت أن أخبركم بأمر قد يكون إضافة جميلة لحلقتنا المصوّرة، اليوم نستضيف محاضرة من العالم العربي وهي الكاتبة المصريّة نوال السعداوي،، مخرج البرنامج هو زميلي وصديقي خالد مصطفى، سارع إلى الهمس: “ربنا يستر”.. من جهتي رحّبت بذلك وقلت: “حسناً ستتنوّع لقطاتنا العامة أكثر وأكثر”.. وقلت لكلاوديا إن محاضرة السعداوي أو غيرها ليست موضوعنا.
بدأت السعداوي – وهي كما يصفها البعض بالأيقونة ويتبجّح البعض الآخر إلى حدّ إحاطتها بالقداسة – محاضرتها أمام تسعة أشخاص تحديداً وبدون أي مبالغة وبكل صدقٍ وموضوعيّة.. وبدأنا نأخذ لقطات عامّة لها وهي تلقي محاضرة وإلى جانبها على المنصّة الرئيسية الدكتورة كلاوديا تريسو، نعم.. تسعة أشخاص حضروا في قاعة تدريس صغيرة تتسع لخمسين أو ستين شخصاً.. ويحسب لها أنها حاضرت في إحدى كبريات الجامعات، وأؤكّد أن هذا يحصل في هارفرد واكسفورد والسوربون غيرها من الجامعات، لأن من يستدعيها لكي تحاضر، له أجندته معها ومع أمثالها، ولكنّ الطلاب والمهتمين لهم كامل الحريّة بالحضور من عدمه.
انتهت من المحاضرة.. وقبل أن تنزل من على المنصة، نادت المصوّر وهو من فريق شركة إنتاج عالمية، أتانا من لندن مع معداته، بعقد مع تلفزيون أبوظبي.. وسألته لمن تصوّر ولأي تلفزيون؟ فأحالها لي.. فأجبتها بما نحن بصدد تصويره مع د. كلاوديا وأن ما صورناه مجرد لقطات عامة للمحاضرة.. وبدأت بالصراخ، مبديةً احتجاجاً شديداً لعدم إخبارها والاتفاق معها على ذلك مسبقاً، وتوقيع عقدٍ معها يحدّد مقابلاً ماديّاً لصالحها.. هنا صُعقت دكتورة كلاوديا… شرحنا لها أنها مجرد لقطات عامة ستمرّ لثوانٍ خلال ساعة تلفزيونية.. عبثاً تستجيب، إلى أن تدخّل صديقي المخرج.. وعلى طريقته، غير الدبلوماسية وأقلّ ما قاله لها: “إنها عارٌ على مصر والمصريين” وجُنّ جنونها، واستنكرت ذلك على زميلي، وهدأت من غضبه، وعدتُّ إليها، رأيتها مصرّة على أمرين: إما أن تأخذ المادة المصوّرة وبحضور الشرطة، وإما أن تتعاقد مع تلفزيون أبو ظبي على مقابل مادي لكل دقيقة تظهر فيها أو تُؤخذ من محاضرتها.
قلت لها: إننا لن نستخدم ما صورناه وهذا وعد مني، وضمنت ذلك دكتورة تريسو.. فزاد إصرارها.
استشرت إدارة التلفزيون عبر الهاتف.. فكتبتُ تعهّداً خطيّاً بتحمّل المسؤولية في حال تمّ استخدام أي لقطة لها من دون موافقتها، ومن دون أن يدفع لها مقابلاً ماديّاً لذلك.
قبلت بهذا التعهّد على مضض.. وكرهت نفسي أني حدثتها يوماً بأمنيّة محاورة هكذا شخصيّة.