وابتسمت الشبابيك للحشد الشبابي الشعبي الذي غطى وسط بيروت. التظاهرة التي دعت إليها شبكة “مدى” للنوادي العلمانية الشبابية في الجامعات وانضم إليها كثيرون، أعادت تصويب البوصلة بأن لا حلّ لأزمات البلد المنهوب والمسروق والمرمي على قارعة التسول إلاّ بحكومة مستقلة عن “منظومة النيترات” القاتلة. فوراً المطلوب حكومة إنتقالية تستعيد الثقة الشعبية وتتحمل مسؤولية فرملة الانهيار وبدء إنتشال البلد. تظاهرة الأمس اكتسبت الكثير من المعاني، بتاكيدها أن كثراً من نخب المستقبل في الساحات، يرفضون اليأس ويؤكدون أنهم صنّاع أمل لن يرتضوا للبنان أن يتحول إلى موطن للبؤس تفرضه عصابة مارقة من القتلة!
تظاهرة بيروت شددت على المطلب الرئيسي للبنانيين وهو قيام الحكومة التي طالبت بها ثورة “17 تشرين” لأنها المرتجاة لاستعادة الدولة المخطوفة ولقيادة مرحلة إعادة تكوين السلطة، وكل منحى آخر هو إمعان في تكبيد لبنان وأهله المزيد من الأثمان، وإبقاء البلد رهينة للخارج، رهينة لأهواء النظام الإيراني ومقايضاته على حساب لبنان ومصالحه.
من محيط وزارة الداخلية التي يتم تحويلها إلى هراوة ضد المطالبين بحقوقهم المشروعة، إلى ممارسة التعسف وكل أشكال إنتهاك الحريات، مروراً بمصرف لبنان حيث يبرمج تنفيذ سياسات النهب والإفقار، وحيث بلغ سعر سعر صرف الدولار 11500 ليرة ما يعني أن الحد الأدنى للأجور تراجع إلى نحو 58 دولاراً!! وصولاً إلى وسط بيروت حيث مقر جمعية المصارف ، جمعية المرابين التي نهبت تعب الناس، وساحة الشهداء ساحة تشرين قبالة مرفأ بيروت حيث ارتفعت الأصوات المطالبة بمحاسبة القتلة والعدالة للضحايا ولبيروت ولبنان، وانتهاء بمحيط المجلس النيابي المقفر ألذي أقيمت على مداخله العوازل الضخمة من ألواح الحديد أمام جدران الإسمنت، فبات أشبه بسجن “صخرة الكتراز” الشهير تحددت مهمته بتوفير الحماية لفاسدين ناهبين فاقدي الشرعية الشعبية!
تظاهرة الأمس والتي ترافقت مع وقفات في المناطق، تأكيد على إمكانية استعادة نبض الثورة ونهجها وأدائها، وتفعيل التحرك الميداني، لخدمة المصلحة الوطنية في وضع البلد على مسار التغيير، وإسقاط المحاولات الآثمة التي استهدفت الثورة من جانب بعض أطراف منظومة الفساد، وهي محاولات لن تتوقف، لكن الرسالة الأبرز أن تظاهرة أمس، بمشاركيها والشعارات المرفوعة أسقطت ما عملت من أجله ميليشيات حزب الله لترهيب وسط بيروت بما يرمز له وبما يشكل من حالة معنوية التصقت بأهداف الثورة..ويستقبل وسط بيروت تظاهرة جديدة اليوم والعنوان الجامع بات : حكومة مستقلة بصلاحيات تشريعية تقود المرحلة الانتقالية لانتشال البلد.
وعلى جبهة منظومة الفساد يستمر التخبط السياسي، ويتتالى استهلاك المقترحات المتعلقة بتأليف الحكومة حيث لا جديد، لأن القرار بيد طهران، وليس بين أولويات الخارج لا لبنان ولا شعبه! وفيما انعقدت تسوية اللحظة الأخيرة بين بري وباسيل لتأمين نصاب جلسة البرلمان التي انعقدت في قصر الأونيسكو لتمرير قانون قرض ال246 مليون دولار من البنك الدولي للأسر الأكثر حاجة، فقد تبين أن ثمن النصاب كان الاتفاق على إنعقاد اللجان النيابية لمناقشة طلب الفريق العوني سلفة 1500 مليار ليرة لمؤسسة كهرباء لبنان لتأمين الفيول وإلاّ العتمة! وكالعادة تمرير هذا القانون بعد تأخير لأشهر كان مناسبة لبعض أهل الفساد كي يهللوا ل”إنجازٍ” في حين أن السياسات المتبعة هي التي أوصلت البلد إلى الشحادة وما دونها! والأنكى أن القرض المخصص للأسر الأكثر حاجة فرضت عليه منظومة الفساد أعلى خوة، أعلى سرقة موصوفة، إذ سيقتطع منه 40% ويزيد، وهذه أعلى ضريبة من نوعها ولم يعرفها بلد في العالم!
ورغم أن الجلسة التي قوطعت من نواب حزب القوات لم تشهد ما يثير الإهتمام، لكن ما بعدها أعاد إلى الواجهة التوترات بين الأطراف، الأمر الذي لا يشي بأي تقدم بين أطراف السلطة على طريق إنجاز حكومة محاصصة جديدة! ولا يبدو أن تخوف الخارج من تسارع الخطوات الآيلة إلى الانهيار ووقوع إنفجار إجتماعي كبير يقلق منظومة الفساد، التي لم تتوقف عند التحذير الفرنسي الأخير من تداعيات الانفجار المرتقب على اللبنانيين، وكذلك كل اللاجئين من السوريين والفلسطينيين، وما يمكن أن يؤدي إليه الانفجار من تسونامي نزوح، فهل يحمل هذا التحذير وهذه المخاوف مؤشرات خطوات ما ؟ خصوصاً وأن ما يقلق الخارج الأوروبي هو النزوح باتجاه الشواطيء الأوروبية، وكلفته في هذه الأوقات، مع تراجع الإقتصادات العالمية واتساع البطالة في كل بلدان أوروبا!
وبعد يكثر النشاط السياسي والعسكري في المنطقة. جولة الوزير الروسي لافروف لافتة جداً، كذلك وفد من حزب الله في موسكو وتطورات سلبية تحاصر العصابات الحوثية في اليمن، إلى استمرار الغليان في العراق وفي سوريا ولا أحد يعرف لماذا انطلقت صفارات الإنذار صباحاً في طهران، ويترافق كل ذلك مع نشاط سياسي ( أشرنا أعلاه إلى التحذيرات الفرنسية).. وحده الوقت سيبلور ماهية السياسات الجديدة التي ترتسم وراء الجلبة، لكن الأكيد أن بلورة ميزان قوى يعكس قدرة اللبنانيين هو الأمر الوحيد الذي يتيح للبلد الاستفادة من الخارج أو درء المزيد من المؤمرات!
ويستمر عداد الموت بوباء كورونا، ويستمر البطء في عمليات التلقيح والبطء في استيراد اللقاحات، رغم أن الأمر الثابت عالمياً أن التلقيح وحده ما يضمن الخروج من الدوامة القاتلة، لكن نكبة اللبنانيين تتعمق أكثر فأكثر مع هذه المنظومة القاتلة، التي تمعن في قتل الأمل ومصادرة البسمة وتعميم الخواء!