1. Home
  2. من بيروت
  3. المقاصد درّة بيروت.. لها ربٌ يحميها
المقاصد درّة بيروت.. لها ربٌ يحميها

المقاصد درّة بيروت.. لها ربٌ يحميها

96
0

د. فوزري زيدان – تحتل جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية مكانة مميّزة في قلب كل بيروتي غيور على دينه وعلى مجتمعه القائم على مبادئ دين الإسلام الحنيف، المتمثلة بالمحبة والتسامح والاعتدال والتحلّي بالأخلاق السامية. هذه الجمعية التي تخرج من مدارسها ومعاهدها وكلياتها الآلاف من أبناء وبنات بيروت والمناطق اللبنانية، وكثير منهم تولّى مراكز متقدمة ومرموقة في الدولة والمؤسّسات الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وترك فيها بصمات ظاهرة للعيان، ومنهم ما زال ناشطاً وناجحاً في الساحة اللبنانية وفي بلاد الاغتراب.


تأسّست جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية من كوكبة من خيرة أهل بيروت في اجتماع عقدته في غرة شعبان من العام 1295 هـجريا الواقع فيه 31 تموز من العام 1878 ميلاديا، في منزل الشيخ عبد القادر قباني الذي كان محبّاً للعلم وقدوة في تطوير مجتمعه بشكل عصري، وقيادياً في «جمعية الفنون الإسلامية» التي كانت تصدر صحيفة «ثمرات الفنون» وتستشعر الحاجة للتغيير والانفتاح على الغرب. ناقش المجتمعون أوضاع المسلمين التعليمية المتردية والبدائية في ظل الدولة العثمانية الضعيفة يومذاك، بينما كانت مدارس التبشير للدين المسيحي المتطوّرة والمدعومة من الغرب تنتشر في بيروت.
كان الهدف من تأسيس الجمعية مواكبة مسيرة التطوّر في التربية والخدمات الاجتماعية والصحية وفي المستوى الثقافي والفكري، والتصدي للحاجات الملحّة من خلال تأسيس المدارس ودعم مسيرة النهوض بخطوات عملية. وكانت باكورة أعمالها افتتاح مدرسة للبنات في العام ذاته، ثم كرّت السبحة بعدها في افتتاح عشرات المدارس للبنين والبنات في بيروت والمناطق اللبنانية التي تقطنها غالبية من الطائفة الإسلامية السنّية.
ولا بد من الإشارة إلى أنّ معظم رؤساء الوزراء ونواب بيروت السنّة كانوا من متخرّجي المقاصد، وكان الجيل المتعلم القديم يعتبر جيل المقاصد بامتياز. وأحمد الله تعالى أنني من هذا الجيل الذي حمل على منكبيه رفع لواء المقاصد وما تمثله من قِيم رفيعة، إذ أنني كنت منذ الطفولة تلميذاً في مدارس المقاصد، من بيت الأطفال إلى أبي بكر الصديق ومنها إلى كلية الحرش وانتهاء بكلية علي بن أبي طالب. والتحقت بعد عودتي من بريطانيا في تشرين الثاني من العام 1974 طبيباً متخصصاً في جراحة العظام بمستشفى المقاصد، وما زلت ضمن الجسم الطبي في المستشفى أمارس مهنتي فيه بشكل خجول نتيجة تقدّمي في العمر، وأِشير أيضاً إلى أنني تلقيت فيه جرعتي لقاح كوفيد-19، وكان التنظيم والمعاملة ممتازين.
جمعية المقاصد هي أمّ الجمعيات الخيرية والأهلية في بيروت، وهي أحد الأركان الثلاثة التي يعتبرها أهل بيروت خطوط حمراء، ممنوع المسّ بأيّ منها، وهي بالإضافة إلى المقاصد رئاسة مجلس الوزراء ودار الفتوى. وقد تولّى زمام الأمور فيها منذ تأسيسها رجال أخيار حافظوا على هويتها الوطنية والإسلامية، وعلى خدماتها التربوية والصحية والاجتماعية للمجتمع البيروتي خصوصاً واللبناني عموماً.
تعرّضت الجمعية في مسيرتها إلى بعض العقبات نتيجة الأوضاع الأمنية والاقتصادية الصعبة التي مرَّ بها لبنان وما زال، ما أثّر على وارداتها ووضعها في عجز مالي، تنوء عن حمله جمعية أهلية تقع على عاتقها مسؤوليات كبيرة تجاه مجتمها. لكن، وبفضل الدعم المادي من أهل بيروت والأشقاء العرب، وبوجود مجلس أمناء لي من بين أعضائه أصدقاء أعزّاء، على رأسه الأخ العزيز الدكتور فيصل سنو الذي يتمتع بالحكمة والدراية وحسن الإدارة والقيادة الصارمة، استطاعت أن تتخطّى معظم هذه العقبات، وتوجّه اهتماماتها نحو حاجات مجتمعها بتقديم حصص غذائية لعائلات متعففة في بيروت وطرابلس، وتطوير برامجها التعليمية حتى باتت مدارسها تضاهي بل حتى تنافس المدارس المشهود لها بالمستوى التعليمي العالي. كما عملت على تطوير المستشفى بزيادة أجنحة عليه، وتوسيع قسم الطوارئ وتحديثه، وإنشاء قسم خاص لمعالجة مرضى جائحة كوفيد-19.
إن شهادتي بالمقاصد التي أواكبها منذ كان عمري أربع سنوات وحتى اليوم مجروحة، وما كتبته هو جزء من ردّ الجميل لهذه الجمعية التي احتضنتني كما احتضنت الآلاف من أبناء بيروت وبناتها، فلأعضاء مجلس الأمناء كل الاحترام، ولرئيسها كل المحبة والتقدير، سائلاً المولى تعالى أن يحفظها ويبقيها درّة الجمعيات الأهلية في بيروت، ويسدّد خطى رئيسها في تنفيذ مشاريع التطوير والتحديث التي في محفظته.
وأناشد، في هذه المناسبة، أهل بيروت وأهل الخير بأن لا يبخلوا في عطاءاتهم على المقاصد، فهي قامت لأجلهم وأجل أبنائهم وبناتهم، وصحيح أنّ للمقاصد ربّاً يحميها وفق القول المأثور للرئيس صائب بك سلام، ولكن علينا نحن أهل بيروت واجب المحافظة عليها بدعمها معنوياً ومادياً ومؤازرة القيّمين عليها، والتصدّي لمن يحاول النيل منها.
وفي ذكرى تأسيس جمعية المقاصد أبعث بتهانيّ القلبية إلى رئيس الجمعية وأعضاء مجلس الأمناء والإداريين والأطباء والأساتذة والممرضين والممرضات والموظفين في مختلف القطاعات، والتهنئة موصولة أيضاً إلى بيروت وأهلها. كما أستمطر شآبيب الرحمة على الرواد المؤسّسين والرؤساء السابقين الذين غادروا الدنيا الفانية إلى دنيا البقاء.

المصدر: اللواء