1. Home
  2. لبنان
  3. «التصحر الفكري» علّة لبنان الخامسة
«التصحر الفكري» علّة لبنان الخامسة

«التصحر الفكري» علّة لبنان الخامسة

67
0

علة لبنان الخامسة التي أدت إلى الحالة التي نعيشها اليوم وهي التصحر الفكري. إن التخبط السياسي الذي ألقى بنتائجه على الوضع الإقتصادي والإجتماعي ليس وليد اللحظة. الكثير منّا يعتقد أن الظروف المعيشية الصعبة التي نعيشها يعود سببها للإوضاع الإقتصادية التي تعيشها البلاد غافلًا عن كيفية تركيبة النظام اللبناني، وهذا خطأ شائع ومتكرر، ولكن إذا دخلنا أكثر في الفلسفة الفكرية والتمعن في الأزمة اللبنانية، ندرك أن لب الأزمة ما هي إلا نتاج من التخلف السياسي والتصحر الذي أدى إلى وضعنا الحالي المزري، يتساءل القارىء كيف يعقل هذا الكلام ولبنان بلد ديمقراطي يتمتع بالحرية السياسية وحرية التعبير والحياة السياسية تتمتع بالتنوع الحزبي؟


 ينطلق أفلاطون في كتابه « الجمهورية» من الفضائل التي يجب أن تتمتع بها المدينة الفاضلة الذي قد أسهب في شرحها والتقسيمات الطبقية، فلقد ربط أفلاطون طبقات المجتمع مع فضائل إجتماعية معينة، مثلا طبقة التجار والحرفيين مرتبطة بفضيلة ضبط النفس، طبقة الحراس مرتبطة بالشجاعة وطبقة الملوك الفلاسفة مرتبطة بالحكمة، وفضيلة   العدالة مرتبطة بكل المجتمع، حيث دعا لفصل مهام الطبقات. هذه الخصائص تعتبر التخصص العملي والتقني، طبعًا إن المدينة الفاضلة كانت ولاتزال بعيدة المنال في كل الحضارات الإنسانية التي مرت عبر التاريخ. إذا تعرض أي إنسان لوعكة صحية يذهب مباشرةً إلى الطبيب، فالطبيب هو الرجل المختص لمعالجة الداء وإعطاء الوصفة من أجل تخفيف الأوجاع ومحاربة المرض، وإذا تعطلت سيارة، نذهب للميكانيكي لإجراء عملية مسح حتى يشخص الحالة ثم يبدأ بعملية التصليح اللازم، كذلك الحال بالنسبة للأمراض المجتمعية التي من ضمنها الأمراض السياسية وغيرها، فهي تحتاج إلى أطباء في العلوم الإنسانية كي يشخصوا الواقع المأزوم، كمرحلة أولية ثم تتبعها مرحلة إعطاء الحلول، طبعًا القضية تحتاج إلى منظريين ومنفذين وحركيين، وهذا ما نفتقده في مجتمعنا السياسي والمجتمع عمومًا. في لبنان، ليس هناك ما يعرف بالفلسفة التخصصية، نرى الكثير من المحلليين والمُؤثرين وأصحاب القرار يفتقدون إلى الفكر السياسي والخلفية العلمية وإضافةً إلى التصحر في الحقل المعرفي، هذه العيوب أدت إلى الفراغ السياسي الذي نعيش إرهاصاته ونتائجه الكارثية.
 ما يعيشه لبنان اليوم، لا يقتصر على أزمة سياسية بقدر ما هي أزمة فكرية متجذرة في المجتمع اللبناني، ليس كل من قرأ بعض المقالات أصبح محلل، وليس كل من قرأ كتاب أو كتابين أصبح منظر سياسي، فالسياسة هي علم وفن وطب المجتمع، فالرجل السياسي هو الطبيب الذي يقتصر وظيفته على تشخيص الأمراض الذي يعاني منه المجتمع والخروج بالنتائج المرجوة بشكل علمي ومنطقي، فلقد سُمّي بالعلوم وليس بالعلم لأنه مرتبط بكل العلوم، النفسي والديني والإقتصادي والإجتماعي وغيره، ففي لبنان من ينشط في الحقل السياسي في معظم الأحيان لا يتمتع بالمعرفة العلمية، فلقد تحولت السياسية إلى مادة يتداولها الفاشلون والمهرطقون وكل من لا يملك جوانب ذلك العلم العظيم. 
في الدول الأوروبية والعالم الغربي، يعتبرون السياسة علم ويمجدونه وينشأون أكاديميات سياسية لثقيف الناس، لإنتاج جيلٍ مثقف وطبقة سياسية قادرة على العمل في الشأن السياسي بخلفية علمية بحتة. هذا ما نفتقره في لبنان خصوصًا والعالم العربي عمومًا، نفتقد لمراكز أبحاث وإستشراق وأكاديميات سياسية تتناول السياسة كعلم وفن، هذا التصحر الفكري أدى إلى نشوء كيانات سُميت أحزاب سياسية شديدة البعد عن الوجه الحقيقي للأحزاب السياسي من الناحية العلمية والفكرية، فإن أحد وظائف الأحزاب هي تثقيف المجتمع وتنويره وإنتاج جيلٍ قادر على دخول المعترك السياسي، أما في لبنان نرى النتائج الفاشلة والكارثية للأحزاب من خلال إرهاصات مجلس النواب والحكومات ونرى مواقع التواصل الإجتماعي تضج بالصراعات التافهة بين المتحزبين التي تعكس الحالة السياسية الهابطة في لبنان. حتى في الجامعات، نرى معظم الشباب لأسبابٍ إقتصادية ومالية يتخصصون في مجال الهندسة والطب والمحاسبة متجاهلةً العلوم الإنسانية، هذا التصحر في العلوم الإنسانية مثل علم الإجتماع والإقتصاد والعلوم السياسية أدت إلى التصحر في الفكر السياسي الناضج.
 الأزمة اللبنانية لا تنحصر في الطبقة السياسية الحاكمة الفاسدة حاليًا، فهي أزمة أعمق من هذا بكثير، هي عبارة عن تراكماتٍ وصيرورةٍ من التخلف في الفكر السياسي الذي أدى بطبيعة الحال إلى الإنهيار البنيوي في كيان الدولة، يبدأ لبنان بالتعافي من خلال إنتاج جيلٍ من الشباب المثقف والمشبع في الفكر السياسي والقادر على أن ينخرط في الشأن العام.

المصدر: اللواء