عكست إحتجاجات الشارع العابرة للمناطق والطوائف والشرائح، كم بلغ حجم تداعيات الانهيارات المعيشية على الناس، ومن صيدا إلى طرابلس وما بينهما، تبلورت حقيقة مفادها أنه لا يمكن بعد اليوم الرهان على قدرة “منظومة النيترات” تقديم أي حلٍ مهما كان جزئياً، لذلك ارتفعت الأصوات المطالبة بحكومة مستقلة من خارج الطغمة السياسية، لأنها وحدها القادرة على استعادة الثقة واتخاذ القرارات الجريئة التي من شأنها رسم طريق إنتشال البلد!
المواطن الغاضب من الفجور السياسي واللصوصية بدا في كل ما يطرح ويعبر عنه في موقع الرافض استمرار بقاء أي تغطية على السياسات التي يقف خلفها حزب الله والتي عزلت البلد وفاقمت الإفقار بعد النهب الممارس من نظام المحاصصة الطائفي الذي لم يوفر جيوب الناس فسرق الودائع. والمعادلة تتبلور: إما أن يحكم البلد حزب الله مباشرة بدون أقنعة ولا واجهات وإما حكومة مستقلة مع صلاحيات تشريعية لترميم التداعيات بعد استعادة الدولة المخطوفة.
حفز هذا الوضوح ما جرى في بعبدا، فبعد عبقرية استدعاء حاكم مصرف لبنان وسؤاله عن الأسباب وراء تفاقم الانهيار(..) شكل إجتماع المجلس الأعلى للدفاع النموذج الفاقع على حالة الغربة بين السلطة والبلد والناس! عراضة الإجتماع الموسع، والفرمان الرئاسي، واكتشاف وجود “صحافٍ” شعبوي عندنا، عكست تعامياً عن كل حقائق الأزمة التي جرى تحميلها حصراً إلى تطبيقات هاتفية أدت إلى تحليق سعر الصرف وانهيار مريع في قيمة الليرة! وغلبت في لهجة إنقلابية، (وكل ما حصل فاقم الخروقات المتعمدة للدستور ومندرجاته)، المنحى الذي يتهم الناس بالتآمر على القصر والحكم، ويشكل تخريباً متعمداً للإستقرار! يعني كل ما يعيشه البلد هو استقرار! وعليه كان الطلب الرئاسي من الأجهزة الأمنية، والمقصود الجيش، التعامل مع المحتجين بفتح الطرقات، وبوضوح فتح الطرقات بالقوة، وبوضوح أكبر وضع الجيش والقوى الأمنية بوجه الناس!!
فارغ كان الإجتماع، وأكد المؤكد من أن السلطة الواجهة انتهت صلاحيتها وتعاني من اهتراء وتآكل، ومن غير الممكن الرهان بعد اليوم على مجموعة مفلسة القيام بأي خطوة ليس للإنقاذ بل حتى لفرملة الانهيار..فاكتملت غربة السلطة رئاسة ومجلساً وحكومة مستنكفة عن دورها تهدد بالإضراب(..) ورئيس مكلف يعرف قبل سواه حجم مسؤوليته عن تسريع الانهيار والخراب من موقعه كرئيس لأول حكومتين في هذا العهد عندما جرى ممارسة الخداع عن استقرار الليرة والبلد قيد الإفلاس، إلى تغطية سياسة إختطاف حزب الله للدولة، وتم تسليم مفاصل المواقع الإدارية الأساسية لحزبيين لا يعرف عنهم إلاّ تبعيتهم على حساب الكفاءة!
بعد اليوم، ومع الفهم الكامل لحيثية الخطوات الآيلة إلى قطع الطرقات، آن أوان الانتباه أن ضرراً كبيراً يلحق بمصالح البسطاء والموجوعين وكل الناس التي وضعت ثقتها بالثورة والآمال التي تحملها بالتغيير، ونجاحها في خلق وعي مجتمعي بات بقعة الضوء الآخذة بالانتشار لكنس سواد إجرام السلطة القاتلة.. وكم كان لافتاً ما جرى في الفيحاء من بداية ضغط على السياسيين والتأكيد أنه عند الضرورة يمكن العودة إلى قطع الطرقات بما يخدم التحرك الشعبي. على كل السياسيين وكلهم من المتسلطين، والمتهمين بالارتكابات حتى تبرئتهم قضائياً، أن يدركوا أن خروجهم من الفضاء العام يمثل رغبة شعبية عارمة، وأن جنتهم البقاء خلف أسوار منازلهم، والحجر عليهم يجب أن ينسحب لمحاصرة كل من سيسعى لاحقاً للترشح لأي مسؤولية!
ومن الغضب الشعبي إلى المواقف التي أطلقها قائد الجيش ضرب الحصار على سلطة الإنكار والاستخفاف بوجع الناس. وكان معبراً سؤال السياسيين إلى أين تأخذون البلد، وواضح التأكيد أن الوجع الذي طال الناس طال العسكر، والجيش ملتزم بواجبه حماية الحريات وحق التظاهر وفق القوانين والمواثيق الدولية ومهمته حماية الأملاك العامة والخاصة. وبعبارة أخرى فإن الجيش لن يقوم بتنفيذ أي أجندة سلطوية بقمع التحرك الشعبي والصدام مع المواطنين الثائرين رفضاً لكل هذه المذلة! وإذ أكد أن الجيش لن يكون مكسر عصا لأحد، محذراً من خطورة السياسات التي إن هددت بفرط الجيش فإن ذلك يعني نهاية الكيان! فقد تلاقت مصادر عديدة على القول أن إجتماع بعبدا كان متوتراً على خلفية الضغط الذي مورس على الجيش لفرض “حلٍ أمني”.. للجوع والعوز وانتهاك الكرامات! فكان رفض هذا المنحى من خلال رد اليرزة الذي جاء بعد ساعات قليلة ومن خلال إجتماع عسكري موسع ليعيد التأكيد أن الحلول هي سياسية ومطلوبة من السياسيين!
وبعد مضى أكثر من أسبوعين على تكليف القاضي بيطار التحقيق العدلي في جريمة تفجير المرفأ، الجديد الوحيد أن عدد الضحايا ارتفع إلى 214 بعد وفاة أردام كسابيان الذي استمرت معاناته أكثر من 7 أشهر فتوفي أمس ضحية جديدة من ضحايا “منظومة النيترات”! العد العكسي بدأ ولن ينسى الناس ولن يسامحوا وعلى القاضي بيطار الإعلان عن خطواته فمن غير المسموح مع العودة التشرينية المضي في منحى سداه ولحمته تضييع الحقيقة!