إنها لعبة البليارد، كانت في أوجها ليل أمس. كل يوم تتظهر المعالم المشينة لتسوية العام 2016 عندما ذهبوا إلى تسليم قرار البلد إلى حزب الله، مقابل مقاعد في السلطة والحفاظ على نظام المحاصصة وحصصهم من المنهبة! منذ ذلك التاريخ تحولوا إلى طابات بليارد في لعبة تأخذ البلد وأهله إلى هوة لا قعر لها! هو الحاكم الذي فرض استتباع البلد وهم كلهم ليسوا أكثر من واجهات سلطة متهالكة!
الإنهيار حقيقي ومتعدد الأوجه، والجوع حقيقي وكافر وموجع، والبطالة تتسع كل يوم والحد الأدنى للأجور للمحظوظين أصبح دون ال64 دولاراً، ومزيد من الأسر لا تحصل أكثر من وجبة يومية، وعدد القتلى اليومي بوباء كورونا أكثر من قتلى أيام الحرب الأهلية السوداء، وما كان أكثرهم ليُقتل لو أن هناك سلطة مسؤولة قامت بالحد الأدنى من واجبها ومسؤوليتها! وبالتوازي يتشلع هيكل الدولة والخطر حقيقي على القطاع العام ولم تعرف الأسلاكٍ العسكرية في كل تاريخها هذه المعاناة، والحاجة المتزايدة تولد اليأس وحملت الأنباء يوم أمس خبر إنتحار مؤهلٍ في منطقة راشيا بسبب ضيق ذات اليد!
كل الأسباب موجودة لتفجر غضب الناس الذين يطرحون السؤال: ماذا فعلنا حتى يُنزل بنا هذا العقاب: الموت من الجوع أو بوباء كورونا؟ والكل يشاهد العبث القاتل على مستوى منظومة الحكم، كما فشلها وتناحرها وإدارة الظهرللموجوعين والتنكر للمسؤولية المترتبة عن اختطاف الدولة وارتهانها وتداعيات ذلك من عزل البلد إلى تهميش دوره، والضرب عرض الحائط بمصالح أهله وحقوقهم وسيادة البلد واستقلاله! وكل المنظومة الفاجرة متيقنة أن المواطنين يحملون جميع من في السلطة، أو تناوبوا عليها، المسؤولية عن الإذلال اللاحق بهم، والكل مدرك كم تعمقت قناعة الناس باستحالة أي إصلاح أو إنقاذ أو تأمين الحقوق الأولية، مع “منظومة النيترات”، التي تسببت في إرتكاب جريمة تفجير بيروت فوق رؤوس سكانها، وماضية في غيّها بحجز الحقيقة وتغييب العدالة!
ومن الآخر نهبوا وأفقروا وعزلوا البلد وأدى استتباعه للأجندة الإيرانية لحرمانه من الدعم الخارجي، ولأنهم واصلوا النهب بأشكال متعددة، بينها السرقة العلنية المتمادية تحت شعار الدعم، الذي يستغل لتمويل الدويلة وميليشيات النظام السوري ويزيد أرباح الكارتيلات الإحتكارية في لبنان..فكان أن شح الدولار، والنتيجة الانهيار المتدحرج في قيمة الليرة وتحليق سعر صرف الدولار. لكن ما يجري في الأيام الأخيرة مبرمج ومدروس وأهدافه مفضوحة! يعني في سوق سوداء لا تتجاوز ال5ملاين دولار، كيف تحدث كل هذه الارتفاعات؟ وما قصة هذه المنصات التي استمرت شغالة ليل أمس؟ وتقفز الأسعار على الشاشات؟ ترى ما النتائج العملية للتكليف بالملاحقة والتحقيق الذي أصدره المدعي العام عويدات لملاحقة المضاربين؟ إنهم يتلاعبون بالرغيف وقوت المواطن خدمة لمخططات مدمرة للناس!
النزول إلى الشارع هو الأمر الطبيعي، والإحتجاج هو الحد الأدنى الممكن، والمحتم أن يكون التصويب على مسؤولية كل المنظومة، بدءاً من حزب الله وأولوياته الخارجية، إلى هاجس التوريث الرئاسي، وبينها سعي المكلف لاستعادة شيء من موقع، وعلى الكتف “المشرع الأول” وهو يرى تأكل “الشعبية” مع تراجع القيمة الشرائية حيث الجزء الأكبر من “الجمهور الحبيب” هو ما تم توظيفه.. والأمر عينه يسري على أطراف المنظومة. ولأن تجربة تأديب اللبنانيين بحكومة الدمى التي شكلها حزب الله وترأسها دياب أعطت نتائج عكسية، وضعت الحزب و”شريكه” الأول التيار الوطني، في واجهة المسؤولية والتردي الذي أصاب الناس، وبدأت تتسع مظاهر إبتعاد المؤيدين خصوصاً عن فريق القصر وتياره، وهذا ما قالته استطلاعات هم أجروها! فكان إخراج أرنب تكليف الحريري مجدداً لضرب أي محاولة إنقاذ للبلد، ما كانت لتتم إلاّ عبر حكومة مستقلة عن منظومة الفساد قادرة على الاستجابة لهموم الناس ومصالح البلد. وتاريخ المكلف وحكومات “الوحدة الوطنية” ما بعد التسوية المشينة عظيم في تسريع الإنهيارات وتعميم الخراب، تجدد رهان الطرف القائد عليه بأن توفر عودته تغطية للجهة الممسكة بالقرار وكل إمكانات البلد وقدراته!
منذ أيام عدة انطلقت التظاهرات الإحتجاجية وعمّ إقفال طرق كل لبنان، من العبدة شمالاً إلى صور، ومن بعلبك إلى راشيا، لكن كتيبة الدراجين المعروفة نشطت لاحقاً في بيروت وضواحيها، وأدت إلى شلل أصاب ساحات العاصمة! وأمس كان ليل لعبة البليارد: طابة ترفع سعر الصرف(..)، وطابات – دراجات، بين المشرفية وكاليري سمعان، وجولات في وسط البلد، والعنوان المعلن استهداف لبعبدا! ويطلق التيار الوطني النفير للدفاع عن الموقع، والهدف خلق أجواء الشحن الطائفي لدعم المقيم في القصر، وإحراج صاحب الدعوة إلى الحياد، وضرورة المطالبة بمؤتمر دولي يستند إلى مرجعية الطائف لحفظ الكيان وديمومة الوطن بحدوده الدولية واستعادة الجمهورية المخطوفة!!
وتتزامن حملة الإحراج الموجهة ضد بكركي التي احتضنت أوسع الأوساط دعوتها، مع زيارة البابا إلى العراق والتي شكلت دعماً لافتاً لمشروع إعادة بناء الدولة العراقية المستقلة بمهارة سياسية وحنكة رغم الألغام! ومعروف تأثير ذلك وأبعاده! فكان توجه كتيبة الدراجين الاشارة إلى تقديم التأليف على ما عداه وأن صاحب القرار يريد تشكيل حكومة وفق المقاييس والمعايير التي تتوفر من خلالها لحزب الله إدارة أنسب للوضع! وعلى الخط، يتذكر الناس أن هناك رئيس لحكومة تصريف الأعمال، مستقيل من الدور والمسؤولية، يطل مبرمج ليضغط بنفس الاتجاه تحت طائلة الإعتكاف! ولا يفوته الإشارة إلى إنجازاته، ويتجاهل الأهم، وهو أن سعر صرف الدولار في 20 كانون الثاني عندما ترأس حكومة الدمى كان ألفي ليرة وبات اليوم 11 ألفاً!
إنها عملية “لحس المبرد” تحمل كل التعنت والتحدي للناس والإصرار على تدفيع اللبنانيين المزيد من الأثمان وتعريض لبنان إلى خطر الإندثار! حكومتهم ليست الحل وليست الأمل ولا تحمل للبلد الرجاء. وفي أي بلدٍ طبيعي لا يكلف اللص بالعدالة ولا يؤتمن الناهب ويكلف بتحقيق النزاهة! في هذه اللحظة لا بديل عن رفع الصوت لسحب التكليف، لأنه يحرم الجهة المتحكمة بعض الغطاء، وكفى واجهات مهترئة تستخدم لتغطية الجهة الرئيسية التي تغولت على الدولة وقادت مرحلة تعميق كل هذا التردي والبؤس!