ليس سهلاً على أي جهة التقليل من أهمية حدث السبت 27 شباط. الصورة الكاملة، الموقف – البرنامج، والتجاهل التام غير المسبوق من بكركي لرئيس الجمهورية، وبالتأكيد لا يخفى على اللبيب مغزى هذا التجاهل، والذهاب الفوري إلى مصارحة اللبنانيين بشكلٍ كامل حيال النتائج المتأتية عن الحالة الانقلابية، وواقع الدولتين والسلاحين، وصولاً إلى اللاءات..لن يكون سهلاً القفز فوقها، بعدما تأكد القاصي والداني أن قاطن بعبدا ارتهن البلد في تغطية اختطاف الدولة وتغول الدويلة! وقد لاحظت “الأخبار” جانباً من البعد الذي ارتسم بعد سبت اللبنانيين الذي احتضنته بكركي، فقالت: “السابقة التي سجلها البطريرك الماروني كسرت كل قواعد بكركي. قبل البطريرك الراعي لم يسبق أن ارتضى أحد أن يكون رأس حربة في مواجهة الموقع الأول للمسيحيين. ولطالما كانت البطريركية المارونية حارسة رئاسة الجمهورية”!
مفهوم إنه جديد لافت ومعبر ومؤثر على كل السياقات اللاحقة للأحداث. صوت بكركي “بودي إلى أبعد الأمكنة”، وهو أيضاً مسموع لدى أكثر من جهة، ولا يمكن تجاهل التأثير الذي يتركه، وهذا ما اغاظ حزب الله فلم تتأخر الردود. بالطبع هناك دائماً الشيخ قبلان، جاهز إلى إطلاق النعوت، حتى أنه اعتبر الدعوة إلى الحياد خيانة وهو مرتاح بتنعمه بالإلتحاق بمحور الممانعة وما تمليه طهران، وفاته أن هناك من طرح قبل أكثر من أربعة عقود محورية الحياد، مؤكداً على أهمية ما كان قد تم تكريسه من نهج سياسي منذ الاستقلال الأول، فقال الإمام موسى الصدر: “إن لم نتمكن من تحييد لبنان فلن نحرر شبراً من فلسطين وسنخسر وطننا ونتحول إلى لاجئين”!
وإلى التخوين المعتاد، كانت “المسيرات” الدراجة المنظمة والمبرمجة تجوب الضاحية الجنوبية تستظل العلم الإيراني ومنددة بالتدويل! وبحسبهم تدويل البلد باستتباعه إلى محور الممانعة المفروض هو المطلوب، في حين أن المرفوض هو دعوة البطريرك التي انطلقت من اتفاق الطائف ومرجعيته، ودعت إلى مؤتمر دولي لتثبيت الكيان والحدود والحقوق والحياد والدستور..وإلى التخوين وبات عادة، والمسيرات الدراجة للترهيب، تكشفت معطيات عن إتصالات لفتح حوار مع بكركي، عندما كشفت “الأخبار” نقلاً عن النائب حسن فضل الله أن لجنة الحوار بين الطرفين تواصلت منذ يومين لدرس معاودة اللقاءات المباشرة مع أخذ الاحتياطات اللازمة من كورونا، وأضاف النائب المذكور أنه على ضوء نقاشات اللجنة يمكن عقد لقاء مع البطريرك، لكن هذا المنحى ترافق مع إطلاق التهديدات الخطيرة، النابعة من فائض القوة، فزعم فضل الله أن طرح البطريرك الراعي يشكل تهديداً للوجود المسيحي في لبنان “كما حصل في العراق وليبيا”!
وبعد، ليس في أوساط ثورة تشرين أي وهم أن الأمور الحالية ستتبدل اليوم وأيضاً ليس في الغد القريب، ومسار حشد التأيد الخارجي لحماية الكيان والاستقلال يتطلب الكثير، ومهم أنه جرى طرحه وإبراز أهميته كهدف. لكن منحى المطالبة بتحرير الدولة واستعادتها من خاطفيها: السلاح والفساد، منحى سيزداد قوة وصلابة، ولا يستهين إنسان بقدرة اللبنانيين على إحداث التغيير السياسي، مع تنامي الوعي الذي أدخلته الثورة، وبات يطال أوسع الأوساط التي أدركت أين الخلل، ومن هم الذين يتحملون المسؤولية عن إذلال اللبنانيين. في ثورة تشرين السلمية والإلتفاف الشعبي حولها، برز المثال على تجاوز الانقسامات الطائفية والمناطقية، واليقين أن الوحدة ستتعمق بوجه إجرام تحالف ميليشيات الحرب والمال، وسيزداد اليوم حجم وتأثير الرافضين استمرار هذا الواقع، ويتسع المناخ الشعبي العامل من أجل الإنقاذ، إنقاذ البلد وإنقاذ مصالح الناس واسترجاع حقوقهم وترسيخ العدالة وقيمها وحماية حرياتهم..إنه مسار بلورة البديل السياسي المنبثق عن جبهة معارضة حقيقية تستند إلى إنبعاث تنظيمات سياسية تحمل أمانة الثورة والوفاء للآمال التي وضعها الناس على المسيرة التشرينية.
وبعد البعد، تعود الحركة إلى البلد اليوم وما من إنسان يعرف مغزى هذا الإقفال ومن ثم فتح البلد. د. فراس أبيض قرع ناقوس الخطر عندما قال نحن نخدع حالنا إذا اعتبرنا أن المواجهة مع انتشار وباء كورونا إلى تحسن”.. والخوف كبير في الوسط الطبي والشعبي من أن يكون البلد أمام وضع كارثي خصوصاً مع الإمعان في التعاطي اللامسؤول مع قضية اللقاح. لم يصل بعد في الأول من آذار إلاّ نحو 100 الف لقاح ولم يتم تلقيح إلاّ الأعداد القليلة من الجسم الطبي والتمريضي والمسنين وتغيب الشفافية في كل ما يتعلق باللقاح وهو الأمل الوحيد لإنقاذ الأرواح! والواضح أن لا ثقة وفق هذا النهج بتعميم اللقاح، فبعض السلطة يخصص اللقاح لأنصاره والله أعلم بالجهات التي هُرب اللقاح إليها! وهذا الخطر سيستمر ما زالت الأمور محصورة بين أيدي وزير الصحة وفريقه من الاستشاريين، ومن خلفهم في حكومة الدمى، وقد حولوا اللجنة الطبية والعلمية إلى مجرد لجنة استشارية قليلاً ما يؤخذ برأيها!
وفيما يحلق سعر صرف الدولار وتندثر القيمة الشرائية لليرة ويتراجع وزن ربطة الخبز(..) ويحاصر الناس الجوع والوباء، في العام 1928 كتب شاعر الشعب عمر الزعني لنا نحن في العام 2021 فقال:
“ناس محتكرة الكمامات،
وناس بتزور جنسيات،
وناس بتمص الدمات،
وناس بتاجر بالأموات”.