كان صباحًا ثقيلاً…يحرّض على التوتر والشرود…أشعة الشمس المنافقة المتواطئة مع شباط الانتقامي من كل لحظة دافئة نعثر عليها شدني إلى الشرفة…المكان الوحيد الذي لجأت اليه منذ اقل من عشر سنوات هربًا من دروس الفيزياء والكيمياء والرياضيات التي فرضت عليّ وقتها وكان رسوبي فيها يجعلني دمية لسخرية الكثيرين مني (وأولهم بعض الأستاذة) …كانت المنبر الوحيد الذي يجعلني رغم نفسي المهشمة وحديقة ارادتي الذابلة…حاكمًا يخيّل له أنه الأقدر على تحريك المشاة على الرصيف في ساحة الشهيد كمال جنبلاط حيث أسكن…
اليوم تذكرتُ أني منذ الصغر لم أفلح في أن أغدو ديكتاتوريًا جميلا …يحسن السخرية بجدارة من فلان من المشاة لان شكله مستفز أو فلانة لأنها تتبرج بكل ما عندها لزيارة فلانة…اليوم زاد فضولي وسط غياب صوت العصافير…التي انكسرت “مناقيرها” من قمح أحلامنا الذي يبس كلما ذرفنا وهمًا.. اليوم أسترقت السمع هل ثمة سائق تاكسي اخر سيلعن وليد جنبلاط وأبيه في هذه الساحة؟
هل ثمة من سيفتقد مثلي اشارة باتا المحل الذي احتضر اقتصاديا عندما بلغ العقد السابع بذل الناخبين والمنتخَبين…وما هو سبب تهربي من الحديث عن البيت المقابل لشرفتي..بيت ريم … حبي الأول …المرأة التي بعثرت أضعلي الطرية وضعت حجارة مزاجها…أدخلت قوارب ثورتها…وحين خرجت من معجم الضحايا وصرت جثتها الطازجة رمتني في تابوت الغربة وتزوّجت!…
هل كان حبًا يا الله أم حربًا…وخليل …الرجل المرتبك بشيبه …يشيّع تاريخه التجاري الذي تجاوز العقد الثالث بألم…يمج سيجارته…يعتصر سمومها…خليل يحدق بي وعينه تنضح بدمي الفائر…وعينه الاخرى زرقاء كبحر لم يبرر ملوحته الآسنة لزائريه…
والمتاجر …مقفلة ، بداعي الاستثمار…حتى محل الخياط الذي لا أعرف كيف صار بعد توغل السنون في بدنه…صار في الايجار… وكذلك “الزعران العابرين” فضلوا التقاتل من بعدبرصاصاتهم الخاصة…بعيدًا عن هذا الحيّ الآوية جبهات مبانيه حمامات تطلب السلام …ولو بشكل قاتم…
كان صباحًا يخلو من مواساة فيروز… كنت الصبي الذي ضاق خلقه…كنتُ شجرة ترمي حملوتها كي يقتنعوا وسط كل هذا الهراء أنها ليست مثمرة…